عقبة نيوز
موقع إعلامي يمني جنوبي، يُعنى بمختلف شؤون الواقع المحلي الجنوبي بوجه خاص، والشأن العربي والدولي عامة.

بهذه الوسائل واجه اليمنيون القدماء مخاطر الأمطار والسيول.. “تقرير“..!

عقبة نيوز – تقارير 

تقرير/ علي الشراعي

في حين كانت الشعوب تواجه الأمطار وما يترتب عليها من مخاطر كالسيول والفيضانات والأعاصير حيث كان الناس يحتمون بالكهوف والمغارات ومنهم من يعتصموا بأعالى الجبال ويتسلقوا الأشجار.

كان اليمنيون القدامي قبل ما يزيد على 3000 عام قد واجهوا تلك المخاطر بوسائل وأساليب حمتهم منها ليس ذلك فحسب بل طوعوا تلك الأمطار وسخروا السيول الجارفة لمنافعهم الإقتصادية والزراعية بإنشاء مشاريع ري حديثة ومتطورة وبهندسة فريدة جاعلين من تلك الأخطار التي هددت البشرية أساس لنهضة زراعية كانت أحد مداميك قيام حضارة إنسانية خلفت لنا أثار عديدة وشواهد كثيرة.

مواسم الأمطار..!

تشكل الأمطار أهم مصدر للثروة المائية وكما هو معروف فإن مناخ اليمن يمتاز بالتباين بين منطقة وأخرى لهذا نجد الأمطار ذاتها تتفاوت من منطقة إلى أخرى فهناك موسمان مطيران الموسم الأول صيفي في الفترة ما بين (يوليو حتى سبتمبر) وموسم آخر ربيعي يمتد من (مارس حتى مايو).. كما تهطل أمطار في فصلي الخريف والشتاء على بعض المناطق اليمنية خاصة المناطق الساحلية.

قدرات إبداعية..!

إهتم اليمانيون وعنوا عناية فائقة بالزراعة وبتوسيع أراضيهم الزراعية ولم يكن ذلك ليتحقق لهم مالم يتمكنوا من توفير المياه اللازمة لري تلك الأراضي.

وفي سبيل الإستفادة القصوي من مياه الأمطار وما يترتب عليها من سيول سخر اليمنيون طاقاتهم الفكرية وقدراتهم الإبداعية لأجل الإستغلال الدقيق والأمثل لتلك المياه لري الأراضي وإنشاء شبكات ري واسعة ومصارف لخروج المياه وتوزيعهما بانتظام على المرتفعات والمنخفضات من الأراضي الزراعية.. وقد كانت طبيعة هذه المنشآت ومستوى إنشائها التكتيكي إنما يختلف وفقاً لطبيعة المنطقة التضاريسية وكمية المياه المتدفقة والمتوافرة.

تجنب الكوارث..!

أما الأمطار الغزيرة فتتركز بشكل عام على المرتفعات والوسطى حيث تتجه بعدها إلى نواح مختلفة منها لتروي ما تصادفه من السهول الواقعة في أطراف تلك المرتفعات – بيد أن كثرة تلك الأمطار غالباً ما تهدد بعض المناطق التى تتجمع فيها مياه المرتفعات حينما تكون محملة بالسيول الغزيرة التى سرعان ما قد تملأ تلك الوديان في ساعات قليلة وقد تجرف التربة والقرى وتهدد حياة الإنسان نفسه معها لذلك – ومنذ المراحل الحضارية الأولى برزت هذه المشكلة-

وفكر اليمنيون في إيجاد حل لهذه المعضلة والبحث عن إمكانية مثلى لاستغلال تلك المياه في فصل هطولها من خلال السيطرة عليها أولا وتصريفهما إلى الحقول ثانياً حيث يتم ذلك بشكل مقنن ومنظم بدلاً من أن تذهب المياه هباء منثوراً في رمال الصحراء أو في البحر فجاءت فكرة بناء منشآت رى تنظم تلك العملية الإروائية.

نظام الجروب..!

فعلى المرتفعات أقام الإنسان اليمني القديم نظام المدرجات التى تسمى في النقوش الجروب (ج ر ب) أو ( ح ي ق) أو ( ك ل و ق ).

وذلك لاستغلال مياه الأمطار في حينها قبل أن تتلاشى من تلك المرتفعات وتذهب سدى دون الإستفادة منها من ناحية.. ومنعها من أن تجرف تلك المياه الغزيرة المدرارة معها ما تتمتع به تلك المدرجات الهندسية من تربة غنية.

فلم يكن أمام تلك المياه الهائلة في ظل هذا النظام المبتكر عندئذ إلا أن تستقر في نواحي تلك المدرجات لتروي تربتها الخصبة تدريجياً بإطراد متناسق بحيث تنساب منحدرة من المدرجات العليا إلى مثيلاتها من المدرجات السفلى وهكذا على إمتداد تلك المدرجات الزراعية ولتقلل من مخاطر تدفق السيول نحو الأودية والسكانية والأراضي.

نقوش المدرجات..!

وقد حدثتنا العديد من النصوص النقشية عن بناء تلك المدرجات ومنها نقش عثر عليه في وادي (رخيله) من منطقة عزان وهذا النقش يتحدث عن جماعات من عشائر يزن وذي يصب وذي كبرن كانوا شيدوا مدرجات حقولهم العليا الواقعة في الوادي حتى مزرعتهم حيفان وقد شيدوها وسوروها من أعلاها إلى أسفلها بالجير والحصى بعون الإله صاحب السماء – مما يؤكد أن اليمنيون كانوا يدركوا أن تلك الأمطار هي مهداة لهم من رب – وبعون أربابهم الملوك حكام ريدان وبعون قبائلهم وبعون معاونيهم وصياديهم وحراسهم. وكان ذلك في شهر ذو سربان من سنة 560 حميري الموافق 445 م .

وهناك نقوش أخرى تتحدث عن بناء المدرجات على المرتفعات الجبلية.

أنظمة ري..!

ومن أجل تجنب مخاطر السيول التى تتجه من المدرجات نحو الأودية والإستفادة منها أقام اليمنيون نوع من الري المعتمد على السيول بإقامة أنظمة ري مختلفة تمتاز بإحكامها التى تأتي منسجمة مع الشروط المكانية والمناخية للمنطقة وطبيعة مصادر الماء.. فمن تلك المنشآت والمؤسسات السدود..

حيث تعتبر السدود من أهم المنشآت الإروائية التى أقامها قدماء اليمنيين وقد جاء في النقوش لفظ ( عرم) بمعنى السد كما جاء في سورة سبأ الآية: 15 (فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتى أكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل) .

وتباين مواد بناء تلك السدود بعضها يبنى من الرمل أو الحصي أو الطين وربما من أغصان الأشجار وبعضها الأخر وهو النوع الأكثر تطورا كان يبنى من الحجارة الكبيرة الصلبة.

سدود تحويلية..!

ويمتاز هذا النوع من السدود ببساطتها حيث تقام أساساً لهدف رفع منسوب مياه السيول المتدفقة في المجرى على الأراضي الزراعية المحيطة وليس للخزن وبتوافر مثل هذه السدود أمكن الأستفادة من هطول الأمطار والسيول بشكل مباشر أولاً بأول حيث كان يتم صرف مياهها عبر قنوات جانبية ومازال هذا النوع من السدود منتشرا في اليمن حتى اليوم ويسمى عبارا أو (عوارض).

درء خطر السيول..!

ونوع آخر من السدود شيدها اليمنيون القدامي سدود خزن وتصريف يبنى هذا النوع من السدود من الأحجار المردمة والكبيرة حيث تقام تلك السدود في أضيق مكان من الوادي أي في الموقع الذي يهدأ فيه اندفاع السيل وهذه السدود كان الهدف من انشاءها هو درء خطر السيول التى تنهمر من المرتفعات بشدة جراء الأمطار الغزيرة فتهدم القري و تقتل الإنسان والحيوان وتجرف المزارع والأشجار والتربة.

وأيضاً تساعد هذه السدود على رفع منسوب المياه في مجرى الوادي إلى الحقول الزراعية بواسطة نظام إروائي دقيق عبر شبكات منتظمة وأيضاً الإستفادة من تلك المياه كري الأراضي في فترة الجفاف.

وكان أغلب هذه السدود يتسم بضخامته وروعة هندسته كسد مأرب.

مآسي الماضي..!

ويمثل سد مأرب نموذجاً لتلك المشاريع العملاقة وهو يعد من أكبر المشاريع الهندسية للري في شبة الجزيرة العربية..

كان في القرن الثامن قبل الميلاد حيث كان في وجوده رخاء لسكان المنطقة ووفرة في اقتصادهم الزراعي. ودرء لهم من مخاطر السيول وبقى السد العملاق قائماً لأكثر من ألف عام وتدل أثاره الباقية على أنه رمم أكثر من مرة وفي عصور متفاوتة – وقد تعرض للخراب والدمار بسبب الإهمال له وعدم صيانته وإصلاح قنواته وذلك في فترات انشغال الممالك اليمنية بالحروب والصراعات فيما بينهما أو في مواجهة الغزاة والمحتليين مما يجعل كل الإمكانيات المادية والطاقات وغيرها تسخر نحو الحروب.

ونظام التخزين في السد أعد بحيث يسمح بوصول السيل إلى الأراضي الزراعية عبر مصرفين كبيرين على جانبي السد ثم تتوزع المياه بعد ذلك عبر قناتين رئيسيتين ثم قنوات فرعية.

وحديثاً وفي عام 1986م تم إفتتاح سد مأرب الجديد والذي اقيم على بعد ثلاثة كيلو متر من السد القديم بطاقة استيعابية قصوي تقدر ب400 مليون متر مكعب.. وما يشهده اليوم سد مأرب من تدفق للسيول حيث تشير التقارير أن المياه فيه تجاوزت طاقته الاستعابية ب550 مليون متر مكعب وبدأت مياهه تتدفق خارجه مما يوشك على الإنهيار في ظل ما تشهده اليمن من حرب منذ ست سنوات فهل ستعاد مأسي الماضي بخراب سد مأرب؟.

خراب سد ريعان..!

ومن المعروف إن كميات الغرين التى يحملها السيل من الأعالى تتجمع خلف السد ومع مرور السنين يرتفع مستوى مجرى الوادي ويصبح في مستوى الأراضي الزراعية وفي هذه الحالة يضطر الناس إلى إقامة حاجز (سد) جديد في مكان أخر من الوادي كما حدث في كثير من الأودية على أن هذا لا يحدث إلا في فترات متباعدة.

وقد ذكر الهمداني في كتابه (الأكليل) العديد من السدود في اليمن منها سد الخانق بصعده وأرجع بنائه إلى عهد ملك حمير سيف بن ذي يزن ، وسد ريمان في همدان وأنه لما خرب سد ريمان نقص غيل وادي ظهر إلى النصف.

وسد سيان في جنوب شرق صنعاء وسد جيرة في عنس الحدأ ، وسد بيت كلاب في ظاهر همدان ،وسدود يحصب حول ظفار عاصمة الدولة الحميرية والتى بلغ عددها ثمانين سدا كما ذكرها شاعرهم بقوله :

وفي البقعة الخضراء من أرض يحصب..
ثمانون سداً تقذف الماء سائلاً..

مؤسسات القنوات..!

كشفت بعثات الآثار في كثير من المدن التاريخية عن بقايا شبكات ري متنوعة منها القنوات وبفضل دقه هندسة هذا القنوات وحسن توزيعها أمكن ضمان وصول الماء إلى الحقول الزراعية.. وهي إذ تختلف في أحجامها بما يتناسب مع كمية الماء المتدفق إليها فهي أيضا تختلف في تنوع أشكالها فهناك قنوات مكشوفة وأخرى مغطاة.

وتتدرج تلك القنوات في تفرعها من قنوات رئيسية تسمى (عبر) جمعها أعبار إلى قنوات ثانوية يسمى الواحد منها (شرج) وجمعها أشراج – ومازالت هذه التسمية مستخدمة ليومنا الحاضر – وجميع تلك القنوات تتحكم في تصريف الماء بكميات قليلة أو كثيرة حسب الحاجة ويتم ذلك من خلال فتحات تصريف بعضها توزع المياه عبر قنوات أصغر إلى المنطقة الزراعية المراد ريها .

فالقنوات الرئيسية تحول الماء من السدود وتحملها إلى الأراضي الزراعية ثم تتولى توزيعها إلى الحقول شبكة من الجداول المتداخلة وتظل تلك القنوات مفتوحة على الدوام .

وبهذه الطريقة فإن السيول عندما تأتى فجأة في الليل أو النهار بمواسم الأمطار الغزيرة تتوزع مياهها تلقائيا على المزارع مما يجنب الناس ومساكنهم ومزارعهم من الانجراف والغرق . كما تساعد تلك القنوات إلى تسرب كثير من الماء إلى باطن الأرض فيرتفع منسوب المياه الجوفية في الوادي ويسهل بذلك الحصول على الماء عن طريق حفر الأبار في ذلك المكان-..

وبهذه الطريقة حمى اليمنيون أنفسهم من مخاطر السيول ومن ناحية أخرى سخروا تلك السيول لمنافعهم الزراعية ليس هذا وحسب بل جعلوا من تلك السيول تغذي المياة الجوفية ليستفاد منها اوقات الجفاف بحفر الأبار – وهناك عدد من النقوش تتحدث عن بناء القنوات وتعميرها والأهتمام بها واصلاحها .

الصهاريج..!

بعد أن تمكن اليمنيون قديما من التحكم بمياه السيول المنحدرة من المرتفعات نحو الأودية عن طريق إقامة منشأت ري متنوعة يتم توزيعها على الأراضي الزراعية.

كذلك تمكنوا من الإستفادة من مياه الأمطار في المناطق التى تخلو من المياه العذبة من حفظ مياه الأمطار داخل خزانات تحفر غالبا في الصخر وتبطن بمادة لا تسمح بتسرب الماء من خلالها وكان الهدف من خزن تلك المياه هو اما تكون مياه للشرب أو للاستعمال المنزلي.

وتنتشر الصهاريج أو (الكريفات) في اليمن فوق المرتفعات الجبلية مثل مرتفعات محافظة إب. كما توجد آثار تلك الصهاريج فوق الجبال التى كانت بها تحصينات للمراقبة على طول سواحل اليمن وفي بعض الجزر المجاورة لتلك السواحل.

وقد عثر علماء الآثار على بقايا صهاريج كانت تستعمل في العصور القديمة كصهاريج ( حصن الغراب) جوار ميناء قنا التاريخي بئر علي حاليا بمحافظة شبوة لكن أكبر عدد من الصهاريج كانت في وادي الطويلة بمدينة عدن فقد حصر بقايا تلك الصهاريج فكانت أكثر من خمسين صهريجاً.

ولا غرابة في ذلك لأن مدينة عدن بصفتها ميناء هام كانت محطة للتجار من جميع أنحاء العالم وسوق رائجا للتجارة الشرق والغرب ومطعما لكل من يرغب في الكسب الوفير فكان من الطبيعي أن يزداد عدد سكانها فتزداد بالتالي الحاجة إلى الماء العذب.

وتلك الصهاريج قد تم انشاءها خلال فترات العصور القديمة وهذا ما يؤكده علماء الأثار ومنهم العالم السوفيتي (شيرجي) وخبير الأثار الباكستاني (ميان عبدالمجيد) بإن هناك تشابه كبير بين صهاريج الطويلة في عدن وصهاريج حصن الغراب ببئر على بمحافظة شبوة وكلها ترجع إلى عصور ما قبل الإسلام.

من المدرجات إلى الصهاريج..!

مدرجات زراعية بالجبال وسدود تحويلية واخرى سدود خزن وتحويل ومصارف مياه وقنوات رئيسية وفرعية وشبكات ري متعددة ومتطورة ومن ثم صهاريج للأستفادة من مياه الأمطار كميا عذبة وخزنها في المناطق التى تفتقر لها.

كل تلك المشاريع العملاقة شهدت كيف واجه اليمنيون مخاطر الأمطار والسيول بل ليسخروها لمنغعتهم مما أوجدت مساحات شاسعة من الزراعة وتربية المواشي واقامت تجمعات سكانية ومدن متحضرة أدت إلى قيام حضارة يمنية ولعلنا نستفيد في الوقت الراهن من تلك الحضارة ووسائلها التى استخدموها آنداك لمواجه اخطار السيول التى تواجه اليمن حالياً.

فالتاريخ وأحداثه ليس فقط كما قيل للعبرة والعظة واستخلاص الدروس والتجارب بل لأيجاد الحلول لمشاكلنا الراهنة وتجنب للمأسي والأخطاء

– البوابة الإخبارية اليمنية

 

قد يعجبك ايضا