عقبة نيوز
موقع إعلامي يمني جنوبي، يُعنى بمختلف شؤون الواقع المحلي الجنوبي بوجه خاص، والشأن العربي والدولي عامة.

كهرباء عدن وعود الشتاء يذيبها حر الصيف!!..

ثقب الفساد الأسود برعاية دولية وإقليمية وشراكة محلية

إن ما تم ويتم سرقته ونهبه باسم الشعب اليمني من أموالٍ سُلِّمَت وتُسلَّم للمنظمات والهيئات الدولية وشركائهم المحليين، يكفي ليس فقط لإنارة اليمن بالكهرباء من أقصاه إلى أقصاه؛ بل ودفع رواتب موظفيه…

كتب: توفيق الحسني

لسكان جنوب اليمن عامة، وعدن خاصةً، قصة معاناة طويلة الفصول مع انقطاع التيار الكهربائي شبه الدائم صيفاً، والناتج عن ازدياد استهلاك المواطنين للتيار الكهربائي لدرء حر الصيف اللاهب عنهم، الأمر الذي تعجز عن الوفاء به مولدات محطات الكهرباء المتهالكة التي طال واستطال عهدها بالصيانة اللازمة التي ستطيل عمرها، وبالتالي ترفع من مستوى إنتاجها للطاقة، عمداً مع سبق إصرارٍ وترصُّد بفعل فاعل/ين عقدوا حلفاً وثيقاً غير مقدسٍ مع الفساد بشتى صوره ومضوا في ذلك لا يلوون على شيء إلا ما يكسبون وكم يكسبون للأسف في ظل انعدام الرقابة أو أي أعمال من شأنها أن تقوض الفساد أو تحد منه على الأقل.

مضى حال سكان جنوب اليمن وعدن على وجه الخصوص مرغمين مكرهين على الانتظار القسري للمسلسل الكريه “طفي لصي”، عاجزين عن فعل شيء لوقف هذا المسلسل الذي لا بد منه صيف كل عام دون أن يكون لأحد إلا القلة أن يتنبؤوا بسوئه عما كان عليه الحال في عام الحرب 2015، إلى أن دخلت عدن والكثير من محافظات الجنوب اليمني تحت طائلة ما أُطلق عليه بالتحرير. ليكر حر كل صيف أسوأ من الصيف الذي سبقه حاراً ساخناً يسلخ جلود الناس ويشويها آناء الليل وأطراف النهار دون رحمة أو تمييز بين أطفال وحديثي الولادة أو شباب وشيوخ من الجنسين. هنا لا مجاملة! الكل تحت لهيب الصيف الساخن سواء إلا الراسخين في الفساد والنهب والسرقة من تُجار الحروب وفُجارها، محدثي النعمة الذين أصبحت لديهم محطاتهم الكهربائية الخاصة بالمولدات العاملة بالوقود أو بالطاقة الشمسية النظيفة؛ وهي بالتأكيد لا تعبر عن نظافة أموال هؤلاء ومصادرها.

هذا التناسب الطردي العكسي الذي يزداد كل عام في مسلسل “طفي لصي” والعذاب الشديد الناتج عنه يتناسب حسب القانون الفيزيائي الشهير مع ازدياد عدد الفاسدين في مؤسسة الكهرباء ومع حجم السرقة التي يزداد حجمها عما كانت عليه في سرقة مخصصات المحطات من الصيانة والديزل الذي يجد طريقه إلى الأسواق. وللإنصاف لم يكن عمال الكهرباء وحدهم هم أصحاب الحق الحصري في السرقة. فقد دفعت الحرب وفقاً لمنطقها وقوانينها بشركاء جدد من أمرائها هم على عجلة من أمرهم للحاق بقطار الثراء السريع وعليهم أن يعقدوا اتفاقاً مع فاسدي الكهرباء هم طرفه الأقوى وعلى فاسدي الكهرباء القبول بالاتفاق الذي يوفر لهم الحماية؛ وإن كان فاسدو الكهرباء يتفوقون على هؤلاء بالخبرة والذكاء.

بعد انتهاء العمليات العسكرية في عدن، ازدادت معاناة الناس مع انقطاع التيار الكهربائي واشتدت وطأتها. ولكن غالبية سكان عدن والجنوب عموماً كانوا سكارى وماهم بسكارى؛ إذ كانوا واقعين تحت وطأة وتأثير دعاية دول التحالف ومرتزقتها في مختلف وسائل الإعلام بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي التي كانت تعدهم وتمنيهم بأن عدن ستكون دبي الثانية وأن سلمان وأولاد زايد سيعمرانها. كانوا يكذبون؛ وكانوا يصدّقون كذبهم على أنفسهم! وكانت القلة الواعية التي نَحَّت عواطفها جانباً ترى الواقع كما هو لا كما ترغب فيه أن يكون. وكانت مهمتها جد عسيرة وصعبة في توعية الناس ومحاولة انتشالهم مما هم فيه يعمهون من كذب ودجل وأمانٍ لا مكان لها في الواقع والحقيقة، ومكانها هناك في عالم الأوهام، لكن دون جدوى؛ فسيف التخوين السهل والجاهز مشهر في وجوه القلة الواعية من قبل الغالبية التي تعيش حالة إنكار بدت لها مريحة وممتعة. وكانت القلة الواعية تعي أن المسألة مسألة وقت وأن الواقع كفيل بهؤلاء وسيرغمهم على الاعتراف به عما قريب.. وهو ما حدث.

في نهاية عام 2015، وبداية صيف عام 2016، ومع اشتداد حر الصيف زاد منسوب الكذب وفاق كل حد؛ وذهب فيه مرتزقة الإمارات ومطبلوها كل مذهب! كانوا يطلقون أكاذيبهم كل يوم على سكان عدن لامتصاص غضبهم وسخطهم الذي يعتمل ويتراكم في صدورهم من جراء تدهور حال الطاقة الكهربائية في مدينتهم. فتارةً يعلنون قرب وصول مولدات إسعافية إلى ميناء عدن، وتارة يعلنون وصولها فعلاً، ولا ضير إن أُرفقت المنشورات والتصريحات في وسائط التواصل الاجتماعي أو في الصحف الصادرة في عدن بالصور التي يتكفل بها الفوتوشوب. وكل هذا الكذب إنما ليرضى السادة الإماراتيون عن مرتزقتهم وهم يتفانون بالكذب وغيره من الرذائل ليخدموهم! وليت الأمر وقف هنا. لا.. بل إن الشعبي مدير مؤسسة الكهرباء ذهب في هذه الفترة بطلب من سادته الإماراتيين لزيارتهم وليفهموه دوره الذي ينبغي عليه القيام به. وانبرت وسائل الكذب والدجل تتحدث عن هذه الزيارة وما ستحققه من حل جذري لانقطاع التيار الكهربائي في عدن. وعاد مدير المؤسسة إلى عدن ومكث بعد عودته شهراً لم ينطق فيه بحرف واحد عما تم، وما أنجزه في زيارته لسادته وأولياء نعمته. وبعد الشهر نطق كذباً في مؤتمرٍ صحفي عقده في عدن، وأحسب أن سكان عدن لا يزالون يتذكرون ما قاله المدير مبشراً في مؤتمره الصحفي بأنه قدم دراسة فنية موضحاً فيها ما يسد النقص الحاصل في توليد الطاقة وأن الإماراتيين كانوا في منتهى الجود والكرم؛ إذ أبدوا استعدادهم بتقديم مولدات للطاقة الكهربائية لن تحل نقص التيار في عدن، لا! بل وعلى مستوى الجنوب عموماً! وأنهم شكلوا من طرفهم فريقاً فنياً ليعمل بشكل مشترك مع مهندسي مؤسسة الكهرباء اليمنية ليعدوا مكان وضع المولدات القادمة بعد شهر وأن الأمر لن يستغرق سوى شهرين إلى ثلاثة أشهر وتدخل مولدات الإمارات الخدمة لا لتنير عدن وحسب؛ بل لتنير الجنوب عموماً!!

وتبع هذه الكذبة كذبات لا حصر ولا عدَّ لها؛ لنصل إلى قرض من الإمارات وقعه وزير الكهرباء في حكومة هادي وفطن الوزير أنه سيجد صعوبات في استخلاص قرض كهرباء عدن من الإماراتيين. لذلك فوَّض محافظ عدن الزُبيدي -المقرب والمُطيع للإماراتيين- ليستخلص القرض من أسياده؛ وهو قرض فيه شراء مولدات وشراء وقود وشراء قطع غيار وصيانة مع اشتراط أن لا يتم الصرف أو التصرف في القرض خارج الغرض منه؛ وهو كهرباء عدن. لكن القرض ضاع وحتى اللحظة لم يظهر له أثر!!

وتدخلت السعودية في موضوع الكهرباء، ليس فقط كهرباء عدن؛ بل كهرباء الجنوب عموماً. وتعهدت بهبة مجانية لمدة عام من الوقود وكلفت الوزير السابق ورئيس الوزراء الحالي معين عبدالملك بالإشراف على الهبة “الكذبة” السعودية مع المندوب الملكي آل جابر. وأحسنوا التوقيت لكذبتهم؛ فأطلقوها شتاء العام الماضي 2018م. ولأن في الشتاء يتحسن وضع الكهرباء في عدن تلقائياً لانخفاض الاستهلاك، لذلك يعمل التيار الكهربائي دون انقطاع وإن حدث وانقطع لساعة أو بعضها هنا أو هناك فلعطل ما؛ فساعد ذلك على تمرير ما زعموا.

ولكن ها هو صيف عدن اللاهب، الذي لا يخلف وعداً ولا موعداً، يحل صادقاً بالمدينة ويبخر أكاذيب الهبة “الكذبة” ويُذيبها. ويبدأ مسلسل “طفي لصي” الكريه في عدن هذا العام 2019، مصاحباً للشهر الكريم..

وللعلم، فإن ما تم ويتم سرقته ونهبه باسم الشعب اليمني من أموال سُلِّمَت وتُسلَّم للمنظمات والهيئات الدولية وشركائهم المحليين، يكفي ليس فقط لإنارة اليمن بالكهرباء من أقصاه إلى أقصاه؛ بل ودفع رواتب موظفيه.

لكنه الثقب الأسود للفساد برعاية دولية وإقليمية، ورضا وشراكة محلية للأسف!!

 

عدن، 1مايو 2019.

قد يعجبك ايضا