عقبة نيوز
موقع إعلامي يمني جنوبي، يُعنى بمختلف شؤون الواقع المحلي الجنوبي بوجه خاص، والشأن العربي والدولي عامة.

اليمن بعد خمس سنوات من الصمود الأسطوري وصناعة التاريخ والملاحم.. يضع تحالف العدوان بين أمرين أحلاهما مُر بعد إعترافه بالهزيمة والدعوة لحوار شامل وفقاً لشروط المُنتصر..!

بقلم/ محمد بن دريب الشريف

يبدو أن الموازين إختلفت كلياً في اليمن ، بعد خمس سنوات من الكرّ والفرّ ، والحرب الشرسة التي شنتها السعودية، وحلفها العدواني على الشعب اليمني، أملاً في الحسم خلال أسبوع واحد، كما كان يُخيل إليهم من وهمهم أنّه واقع وأمر مفروغ منه ولا حائل دونه.

حينها كانت اليمن تُعاني من أزمات داخلية، على الصعيد الإقتصادي، وكذلك السياسي، بل عدم إستقرارها على كافة الصعد حينذاك، خصوصاً والشعب خارج من أعتاب وأتعاب ثورة شعبية، على نظام فاشل فرضته السعودية بتوصيات أمريكية، من خلال المبادرة الخليجية التي تقدّمت بها، وطرحتها كرزمة حلول لا تقبل النقاش، بين طرفين طالما تصارعا على السلطة والنفوذ، على حساب أهداف الثورة الشعبية، وأحلام المواطن اليمني في التخلص من نظام العمالة، وأعوانه من أحزاب الإرتزاق.

وذاك ما دفعها لشن حرب لا هوادة فيها، كوسيلة أخيرة لفرض خياراتها على الشعب اليمني، بعد أن إستنتجت حينها أن “مبادرة خليجية” أخرى لا يمكن قبولها ، خصوصاً وقد فقدت الأحزاب والمكونات اليمنية الموالية لها ، الثقة لدى عامة الشعب وأفتضح مكنون سرها، ولم يعد بالإمكان التسلل إلى صفوف ثورة التصحيح الشعبية الجديدة، وركوب الموجة من جديد، لإختطاف الثورة لصالحها، ولصالح القوى الإقليمية والدولية كما هو الحال في التعامل مع ثورة فبراير 2011 م ..!

نستطيع أن نجزم اليوم أن السعودية وحلفائها، فقدوا آخر الخيارات لديهم بخصوص اليمن، ولم يعد بحوزتهم من أوراق الضغط ما يستطيعوا به فرض ولو جزء بسيط من الوصاية على اليمن.
وورقة الحرب والحصار ، وتدمير مقومات الإقتصاد والعيش للشعب اليمني ، والتي كان الرهان عليها إلى حد كبير، في تطويع الشعب اليمني والعودة به إلى سابق العهد ، باتت خاسرة وعديمة النفع، بعد هزائم عسكرية متتالية، على إمتداد رقعة الحرب، وما نجم عنها من خسائر مهولة، مُنيت بها السعودية وتحالفها بشرياً ومادياً ، والوصول الى حالة العجز الشديدة عن إستمرار سداد فاتورة هذه الحرب المكلفة، وترنح إقتصادها بين الموت وأمل الحياة، وعدم قدرته على تحمل نفقات وتكاليف عمليات عسكرية تقودها في اليمن باهضة الثمن، وما يترتب عليها من التزامات مالية لحكومة الفنادق، ومجاميع المرتزقة التي تقاتل في صفها، لتحقيق هدف بات من الواضح للسعودية وحلفها إستحالة تحقيقه ، بعد جولات من الصراع، بلغت فيها العمليات العسكرية أقصى مدياتها، في كل الجبهات الداخلية والخارجية، ويُضاف إلى هذا الرصيد الهائل من الإخفاقات والفشل الذريع في الملف اليمني، المشاكل الطارئة التي تواجهها السعودية في الداخل، سواء المشكلة الإقتصادية المتعلقة بالنفط وحربها مع روسيا حالياً، والتي بدورها ضاعفت الإخلال بنظامها الإقتصادي، وأفقدتها التوازن، والسيولة المالية الكبيرة، التي تُشكل المصدر الوحيد، لتسديد فاتورة مغامراتها العسكرية، وتدخلاتها السياسية في بلدان المنطقة، أو جائحة “وباء كورونا” التي عصفت بمدنها، وتحتاج في سبيل مواجهتها إلى تحديد ميزانية كبيرة، وأيضاً ما ترتب على هذه الجائحة، من كساد ومفاسد إقتصادية كبيرة في الأسواق العالمية، والتي تعود أضرارها بالدرجة الأولى على دول كالسعودية والأمارات، التي تعتمد كلياً في إنعاش إقتصادها على نشاط مثل هذه الأسواق..!

وبالعودة الى الملف اليمني لاشك أن آلية المواجهة التي حددتها القيادة في اليمن مُنذ اليوم الأول لدفع هذا العدوان كانت الى حدٍ كبير عظيمة النفع والفائدة، وشكلت العامل الأهم في التخفيف من وطأة الهجمات العنيفة، سواء الإقتصادية أو العسكرية أو على المستوى الدبلوماسي، وإخفاق كل محاولات تحالف العدوان في إختراق حواجز الصد والدفاع والمقاومة، وإبتلاع اليمن وإحتلاله كما هو هدف محدد من قبل الأمريكان مُنذ اللحظة الأولى لهذه الحرب.

وفي الواقع أن تلك الآلية الدقيقة للدفاع والمواجهة، التي رسمتها القيادة اليمنية، خولت الجيش واللجان الشعبية الآن، الإنتقال من موقع الدفاع إلى الهجوم المحكم في كل الجبهات، وسقطت على إثره جبهات كان المعول عليها كبير لبلوغ صنعاء، وإسقاط العلم اليمني، كجبهة نهم التي سجلت رقماً قياسياً في إحتضان عدد الألوية العسكرية الغازية وكذلك العتاد العسكري المهول، وأيضاً سقوط محافظة الجوف الحدودية بالكامل، والتي باتت في القبضة الحديدية للجيش واللجان الشعبية، إضافة الى سقوط بعض مديريات مأرب المهمة والإستراتيجية، كمديرية رغوان ومديرية مجزر، ومعسكرات وألوية تشكل بمجموعها أهم خطوط الدفاع العسكري بالنسبة لعاصمة المحافظة، ووقوف الجيش واللجان الشعبية على مشارف مدينة مأرب وعاصمتها، وحصارها من جميع الجهات، وهي على ما هي عليه من الأهمية، التي تكمن في كونها المعقل الرئيسي لقادة الإحتلال، والوكر الأهم والأخير لمجاميع مرتزقة تحالف العدوان، على مستوى شمال اليمن، وسقوطها يعني جلاء آخر جنود العمالة من شمال اليمن، والإستعداد لتحرير ما تبقى من محافظات الجنوب وتعبيد كل الطرق للمعركة الوحيدة، وجهاً لوجه مع الجيش السعودي، فوق تراب أرضه وتسخير كل الجهود والإمكانات لذلك.

أمّا الجديد في أحداث الحرب ونتائجها هو الهزيمة الساحقة التي لحقت بالسعودية وتحالفها، وباتت واضحة المعالم، وتثاقلها عن مواصلة هذه المغامرة، بل الإعتراف بالهزيمة على لسان مسئولين كبار في تحالف العدوان، ودعوة الجانب اليمني للحوار الشامل، وتغيير قواعد المفاوضات، بالشكل الذي يتلائم مع الشروط التي فرضتها حكومة صنعاء الشرعية، وأصرت على تنفيذها قبل الجلوس على أيّ طاولة محادثات وخوض أيّ عملية تفاوض جديدة مع أطراف العدوان.

ولذلك نجد ولأول مرة تصريح من قبل مسؤلين في تحالف العدوان، يتضمن الدعوة الصريحة “لحوار سياسي شامل” كما هو الشرط الوحيد الذي وضعته صنعاء لإستجابتها لأي دعوة مفاوضات مُنذ بداية العدوان، بإعتباره الخيار الأمثل كما يرى قياداتها لحلحلة الأزمة ومعالجة تبعاتها على كل الأصعدة والمستويات.

ولمْ تقتصر الدعوة “لحوار شامل” على مسؤولي التحالف في الرياض وأبوظبي، بل سمعناه من الراعي الرسمي لهذا العدوان، ومن له الكلمة الفصل وبيده الحل والعقد، من البيت الأبيض، إذ خرج وزير الخارجية الأمريكي معبراً عن رغبة الولايات المتحدة في وقف الحرب، والبدء في “حوار شامل” كما قال، وهذا يُقرأ على أنّه إعتراف بالهزيمة، وفشل تحالف العدوان في تحقيق أيّاً من الأهداف التي شن الحرب في سبيلها إلى حد الآن، بغض النظر عما اذا كانت أمريكا أو قوى تحالف العدوان تحت قيادتها، تُبيت نوايا أخرى، أو في حساباتها إستراتيجية إستدراج عسكري، وإستغلال هذه الدعوات، وما قد تُفضي إليه من مشاورات ومحادثات، لإعادة ترتيب الأوراق والتمركز، والإستعداد للهجوم من جديد، وفق معادلات وخطط جديدة لمواصلة الحرب والعدوان على الشعب اليمني.

نعم.. هذا غير مستبعد من حسابات البيت الأبيض ويبقى إحتمالاً وارداً وكل شي وارد في سياسته – خصوصاً وهو يتزعم حرب لا يباشرها ولا يخسر فيها لا مادياً ولا بشرياً ، وإنما له وكلائه الذين يباشرونها نيابة عنه ويتحملون في سبيل تحقيق رغباته كل الخسائر المهولة الناجمة عنها – ولكن القراءة الأولية ، والمفهوم لكل متابع من هذه التصريحات والدعوات هو الإعتراف بالفشل والإخفاقات والهزيمة.

والجديد أيضاً.. بعد مخاض الخمس السنوات المنصرمة هو الإنزعاج الكبير والقلق والإحباط، الذي أصاب قادة المملكة السعودية بالخصوص، من التكلفة الباهضة لهذه الحرب وخسائرها، والإخفاق العسكري الذي كان من نصيب تحالفهم، والفشل الكبير في إدارتها، والهزائم المتتالية خلال سنوات الحرب المتعاقبة، وعدم إحراز أي نقطة إنتصار ولو متواضعه، رغم عدم التقصير أو التواني في السعي لنيل ذلك، بل عدم قدرة هذا التحالف الكبير على الردع والدفاع، سواء عن المناطق التي كانت تحت سيطرة مرتزقتهم داخل اليمن، أو على مستوى الأراضي والمناطق في عمق المملكة الجغرافي، والتي أُقتحمت وتمَّ السيطرة عليها من قبل الجيش واللجان الشعبية، أو الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة، على منشئآتها الإقتصادية المهمة، ومرابض طائراتها، ومخازن ترسانتها التسليحية ومعسكراتها، وقواعدها وسفنها الحربية في عرض البحار.

ولكن العجيب والمحير، هو أن المملكة السعودية لم تستطع ترجمة هذا الإنزعاج من تكاليف وخسائر حربها، واليأس من جدوى عدوانها العبثي، إلى قرارات فعلية لوقفها..!!
والشروع في فتح صفحة جديدة مع الشعب اليمني، بعد أن تترك لليمنيين خيار تقرير مصيرهم بأنفسهم، دون تدخل في مجريات الحوار والمفاوضات بينهم، وكذلك قبول نتائجها وإلزام الأطراف اليمنية المحسوبة عليها على التنفيذ والقبول، برغم أنّ هذا مُتيسر وتستطيعه في أي وقت، ولا توجد ولو نسبة ضئيلة من إحتمال عدم تحقق هذا الخيار، ذلك لإنّ حكومة صنعاء ترغب في وقف الحرب ، ولديها الجدية للخروج منها، رغم أنّ الموازين العسكرية تفرض لصالحها مؤخراً..!
كذلك رغبة قادتها في التصالح ومعالجة المشاكل عن طريق لغة الحوار، أيضا قدرة المملكة على تطويع الأحزاب اليمنية والمكونات المشاركة في العدوان، والراغبة في مواصلة الحرب، على التفاوض والحوار السياسي الشامل مع حكومة صنعاء، والدخول في مصالحة وطنية، تضمن الحقوق للجميع، والشراكة في صناعة القرار بمعزل عن الوصاية من أيّ طرف خارجي كان ..!

والسؤال المطروح هو : لماذا الى الآن لم تستطع السعودية ترجمة هذا الإنزعاج الكبير من هذه الحرب وما نجم عنها من خسائر فادحة، إلى واقع ملموس كما ينبغي ويفترض عليها ؟! وكما يرغب قادتها، بعد إخفاق جيوشهم العسكرية، وعجزهم البالغ عن إنجاز ولو الحد الأدنى من الأهداف التي شُنت من أجلها الحرب إن كانت هناك أهداف فعلية محددة..؟؟!!

طبعاً لا أحد يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال ويقطع بصوابية جوابه، ذلك لضبابية الرؤية لدى صُنّاع القرار السعودي وتخبطهم، وتأرجح مواقفهم وعدم ثباتهم، بالإضافة إلى أنّ الهدف الحقيقي من هذه الحرب غير محدد وغير معروف، وكل ما فرضوه كأهداف لحربهم يتضح عدم منطقيتها وقبولها عقلاً وعرفاً، وتنافيها الكلي مع القانون الدولي والمواثيق الأممية فيتم التنازل عنها من وقت لإخر،ولكن القدر المتيقن هو: أن للولايات المتحدة الأمريكية دور كبير في الحيلولة دون إتخاذ السعودية قرار وقف هذه الحرب..!

أمّا لماذا ؟
فعلى الأقل: لأن هذه الحرب تشن على شعب هو الأول تمرداً على السياسة الأمريكية في المنطقة العربية، وأستطاع بفضل الحراك الثوري إنتزاع القرار السياسي والسيادي من أيدي أدواتها، هذا أولاً؛
ثانياً.. لما تُوفره هذه الحرب للأمريكان من أموال طائلة، من خلال بيع السلاح المستهلك والمستخدم لطحن أطفال اليمن ونسائه، والصفقات التجارية والتسليحية الهائلة التي تُعقد رأس كل سنة لهذا الغرض، بينهم وبين الأدوات المباشرة للقتل والفتك بأرواح الأطفال والعزل من أبناء الشعب اليمني؛

ثالثاً.. ضمان إستمرار هذه الدول في خدمة السياسة الأمريكية، وتنفيذ أجندتها ومشاريعها على مدى المستقبل البعيد، من خلال إضعاف قدرتها على التمرد في أيّ لحظة من اللحظات، والخروج عن طوق الطاعة، لما تُوفره هذه الحرب من أوراق ضغط مهمة، يستطيع قادة الولايات المتحدة في أي وقت التلويح بها، للإبتزاز المالي كلما أستشعروا حاجتهم لإوراق النقد العربية، أو مقاضاة هذه الأدوات كمجرميّ حرب، ومنتهكيّ حقوق إنسان وقتلة، وإسقاط أنظمتهم كما هو الحال مع نظام صدام حسين وغيره من الأنظمة البائدة..!

وعليه يُشكّل إتخاذ قرار وقف الحرب من قبل السعودية حالياً، أمر بالغ الصعوبة برغم رغبتها الشديدة لذلك، لما وصل حالها الإقتصادي إليه من التدهور والخسران، وهي الآن ‘ بين أمرين أحلاهما مُرّ ‘ ولكن ليس من السهولة بمكان إتخاذها أيّ قرار يُخالف الإرادة الإمريكية، أو التوقف عن تحقيق رغبتها، ورعاية مصالحها في المنطقة العربية، وخوض حروب النيابة عنها خصوصاً والقادة هناك يعوزهم الشجاعة الكافية للتمرد على وصاية الساسة الأمريكان، وإتخاذ القرارات الجريئة والبطولية، لضمان آمن بلدانهم واستقلالها وسيادتها وإقتصادهم.

ولكن الذي يبدو عليه التوجه سعودياً من ورطة الحرب هذه وكيفية الخروج منها، أن المملكة ذاهبة الى خيار ثالث، تضمن من خلاله التخفيف من هذا العبئ الكبير، ووطأة أوزار هذه الحرب من على كاهلها من جهة، ومن جهة أخرى ضمان عدم إنزعاج البيت الأبيض، وإثارة غضب مسئولية فيما إذا حادت عن الحرب كفاعل مباشر، وذلك من خلال تقوية أذرعها في اليمن، وتوفير مستلزمات الحرب لهم، وإستمرار إمدادهم بالأموال والإمكانات، وتتوارى بعدها خلف كثبان صحاريها الرملية، تنتظر النتائج على غرار الإمارات التي قوضت دعائم السلم والتعايش في محافظات الجنوب، من خلال إنتدابها ميليشيات القتل والسحل والتخريب وبيع الأوطان، ووفرت لهم في سبيل ذلك كل الإحتياجات والإمكانات، وأصبح المجلس الإنتقالي برعايتها مُتحكّماً في كل تفاصيل الحياة، وحارساً أميناً لمصالحها، وتهيئتة الظروف المناسبة لعمليات النهب والسرقة التي تقوم بها الإمارات، والسطو والبيع للنفط اليمني والغاز والمعادن، وكل ثمين في الجزر اليمنية، وحتى أشجار “دم الأخوين” النادرة التي تُقتلع من سقطرى وتُمنح الجنسية الإماراتية الوضيعة، لتزيين منتزهات وحدائق مدنها الموبؤة بجذام العمالة واللصوصية.

ولكن حسب التقادير أنّ هذا الخيار صعب أيضاً، وغير مُمكن بالنسبة للسعودية حالياً وقد فاتها أوانه، لأن القيادة في صنعاء تنبهوا لمثل هذه المخاطر، وسارعوا في سد مثل هذه الثغرات، وتم إتخاذ قرار حسم المعركة في نهم والجوف، وكذلك أهم مديريات محافظتي مأرب والبيضاء، والتي تُشكّل مساحة لا يُستهان بها، وبالإمكان أن توفر ظرف مكاني كبير، يُعطي هذه الأذرع السعودية، حرية التحرك وبناء القدرات المؤذية، ومزاولة النشاطات التخريبية المزعجة، ضد أبناء الشعب اليمني، ويمنح السعودية حق الإستراحة والإختباء خلف الكثبان لبث سمومها والإملاءات العدوانية الخبيثة.

وفي الحقيقة أنّ القرار الذي أتخذته القيادة في صنعاء كان صائباً وحكيماً الى حد كبير، وفَرَضَ معادلة صعبة ومعقدة، وعقبة كؤود ليس بالإمكان تجاوزها إطلاقاً، لأن بتر هذه الأذرع وتنظيف تلك المناطق من هذه الأدوات القذرة، يعني حشر السعودية في زاوية ضيقة وعزلها ميدانياً.. ووضعها أمام خيارين لا ثالث لهما:
إمّا مواصلة الحرب في ظل يمن خالي شمالاً من كل أدوات العمالة والأرتزاق، والمواجهة المباشرة معها على طول الشريط الحدودي، وتوظيف كل إمكانات الجيش واللجان الشعبية للتنكيل بجيشها على أراضيه، ومضاعفة خسائرها ، وإعاقة إقتصادها أكثر فأكثر؛

وإمّا إعلانها وقف حربها كلياً، والتخلي عن فكرة تطويع اليمن للولايات المتحدة الأمريكية، والتدخل في شؤونه الداخلية، ورفع يدها وترك اليمن لليمنيين ليقرروا مصيرهم بإنفسهم
وهذا هو الأمر المعقول والمفترض أن تكون عليه السعودية والقرار الذي ينبغي إتخاذه اليوم قبل الغد من قبل قادتها لو كانو يعقلون.

ونؤمن أن هذا الإجراء هو ما ستتخذه في يوماً ما طال أمد الحرب أم قصر، والعاقبة للمتقين.
والذي يهمنا الآن هو أنّ مدينة مأرب على مسافة عَدوةِ حصان من طلائع المُخَلّصين والمُنّقذين، وقرار تحريرها قد أُتخذ من قبل القيادة الرشيدة بعد حصارها وتطويقها من جميع الجهات، والحسم مسألة باتت سهلة الإمكان، وبهذا يتم تجفيف آخر منابع الأرهاب والتخريب، وبتر الذراع الأهم في شمال يمن الأيمان والحكمة.

ونرجوا من القيادة في صنعاء العجلة والبت في الأمر وعدم التأني، في أعطاء الضوء الأخضر للجيش واللجان الشعبية لحسم مسألة تحريرها، وعدم الإلتفات الى دعوات الحوار، سواء التي من قبل السعودية أو الأمم المتحدة أو أمريكا، وإن تضمنت تلك الدعوات، ما يوحي بتنفيذ الشروط التي وضعتها صنعاء قبل إستجابتها لأي دعوة مفاوضات قادمة.

لأن الذي يُقرأ بين سطور هذه الدعوات نوايا سوء وخيانة، والغرض منها كسب الوقت لا أكثر، لإعادة ترتيب الأوراق العسكرية، ومحاولة إستعادة ما فقدوه من توازن، ومناطق كانت تحت جبروت إحتلالهم، وسعياً للحيلولة دون تحرير مدينة مأرب، وخسران أهم وآخر معاقل مرتزقتهم في اليمن.

لإنّه من الواضح جداً عدم توفر الجدية لدى قوى العدوان لوقف الحرب حالياً، ويُستبعد إلى حد كبير إتخاذ السعودية قرار كهذا، ووقف العدوان على الشعب اليمني في الوقت الراهن، وذلك لسببين في الحد الأدنى:

السبب الأول.. وقوف أمريكا على النقيض التام من إتخاذ مثل هذا القرار، وخيارها مازال الى الآن هو إستمرار الحرب، ومن المُستبعد أن تتخذ المملكة السعودية أيّ قرار يتنافى مع رغبة المسؤلين في البيت الأبيض؛

والسبب الثاني.. لم يعد بيد السعودية ومرتزقتها ما يشجعها على التفاوض الجاد، أو يُعطيها حق الجلوس على طاولة المحادثات، خصوصاً بعد فشلهم وإخفاقاتهم على مدى الخمس السنوات المنصرمة، وخسارتهم مؤخراً كل المناطق التي كانت تحت رحمة إحتلالهم، من نهم إلى مدينة مأرب وصولاً إلى مركز محافظة الجوف ومنطقة اليتمة الحدودية..
وعلى أقل التقادير أنّ السعودية لمْ تخض حرباً لمدة خمس سنوات – خسرت على إثرها 750 مليار دولار وغير ذلك الكثير معنوياً وبشرياً – من أجل الجلوس أخيراً مع القيادة اليمنية على طاولة المفاوضات، أو دفع مرتزقتها إلى العملية التفاوضية، وإنتظار ما تفضي إليه من النتائج لمباركتها والإحتفال بها كآخر هدف تحقق من أهداف حربها الملعونة..!

هذا مستبعد تماماً في الوقت الراهن وخارج حسابات أمراء السعودية والإمارات، وغير معقول في حقهم، خصوصاً وهم على ماهم عليه من العنجهية والمكابرة والمشي على رؤوس الأصابع والطاعة المفرطة لإدارة الرئيس ترامب.
وعليه يبقى خيار تحرير مدينة مأرب مطلب شعبي لا يحتمل التأخير، وهو الخيار الأمثل الذي يرجو أبناء الشعب اليمني أن لا يحول دون حصوله أيّ حائل، وهدف تأمل بتحققه كل فئات الشعب ومكوناته، وترجو أن تنتفي كل الموانع في سبيل حصوله، لما لهذه المدينة من الأهمية الإقتصادية أولاً والعسكرية ثانياً، كون تحريرها يمهد الطريق للحدود اليمنية السعودية ومساندة أبطال الجيش واللجان الشعبية هناك، وحشد جهود المقاتلين جميعاً وتفرغهم لقصم فقار الجيش الملكي في عقر داره وفوق تراب أراضيه، وهذا هو الضامن الحقيقي لوقف العدوان، والتخلص من أذى وشرور حرب السرف التي تقودها بسوس القرن على جيرانها.

وإن كان ولابد من التفاوض، فيدّ الجيش واللجان الشعبية تُحكم السيطرة الميدانية وتستكمل التحرير، ويدّ محمد عبدالسلام ورفقائه تمتد الى السلام، ولا تنافي بين الأمرين، إلا في حالة أن تتخذ السعودية قرار وقف الحرب، ويتم إعلان ذلك بشكل صريح من قبلها، وتوقف كل عملياتها العسكرية فعلياً على مستوى البر والبحر والجو، ورفع الحصار الجائر، وحرية الملاحة الجوية، والتجارة ورفع كل القيود، والضغوطات الإقتصادية والدبلوماسية ويدها عن مجريات الحوار والتفاوض بين اليمنيين ..!

قد يعجبك ايضا