عقبة نيوز
موقع إعلامي يمني جنوبي، يُعنى بمختلف شؤون الواقع المحلي الجنوبي بوجه خاص، والشأن العربي والدولي عامة.

مأساة “إسماعيل“ ووفاء كلابه..ماذا تعني..!

بقلم/ عبد الحليم سيف

هذا الخبر ليس من أنباء الجرائم البشعة، ولا هو من التسريبات الإخبارية الكاذبة.. إنما يحمل قصة إنسانية مؤلمة ومؤثرة..بليغة ومثيرة..

باكية وحزينة ، لواقعة حقيقة، بطلها كلاب ضالة، ورجل فقير المال غني بالقيم، قذفت به الحياة دون شفقة إلى قارعة الطريق، ليفترش الأرض غير الرحيمة، ويلتحف السماء الحانية، حتى فاضت روحه قبل ثلاثة أيام ، في ليلة مظلمة في منطقة الدليل بمحافظة إب.

نبأ مقتضب، فاضت به المواقع الإخبارية منها “مثلا”.. “عدن الغد” كريتر سكاي نيوز، المشهد اليمني، سبوتنيك أربيك ، يمن نت ، صحافة نت ، خلاصة نت.. ومنصات التواصل الاجتماعي، وتكاد القصة الإخبارية هي نفسها.. واسم الراحل أيضاً..من تفاصيلها:

أظهرت صورة فوتوغرافية كلاباً “ضالة تحيط برجل يمني متشرد ، قضى سنوات من حياته في رعاية الكلاب الضالة، رفضت عند موته السماح لأحد بالاقتراب من جثته”..

ولم يكن ذاك المواطن المتوفى إلا :” إسماعيل محمد هادي، وسط محافظة إب – يضيف الخبر – وفوجىء المواطنون (صباح الثلاثاء) أن الكلاب التي رباها “الرجل” لسنوات تحيط به، وتلتصق به في حالة حزن واضحة.. وكان إسماعيل حريصاً على إطعام الكلاب يومياً في سوق الدليل، حيث ينام هناك في الشارع منذ زمن..!

هذه القصة المؤسفة ،على النحو المتداول على نطاق واسع ، تميط اللثام عن شواهد طافحة بحجم الواقع المأساوي ، الذي لا قبل لجبال عيبان وشمسان.. صبر وسمارة.. وحتى جبل النبي شعيب وسواها تحملها..

فما بالنا بإنسان لا حول له ولا قوة كحال ” إسماعيل” الذي مات وحيداً في ظروف غير مثالية، لا توفر له حتى الحد الأدنى جداً من وسائل العيش، تليق بكرامته كإنسان له حقوق، فأعلنت الكلاب النفير..

لرد الجميل لمن أحبها، وقاسمها العيش، حاورها بعيون صامتة حول الهموم والآلام المشتركة، فوجدها الناس، وقد التفت حول جسده الهامد، المسجى بدون غطاء فوق التراب، منعت الاقتراب منه..

أمضت ليلتها ساهرة على غير عادتها، تشمشم رائحته، وتستعيد ذكرياتها معه، وحنانه ومودته ، وتبكي فقيدها، تبث حزنها الصامت.. وذهبت أبعد من ذلك، لتعلن إدانتها للإنسان، الذي ترك من ينتمي إلى جنسه، يموت قهراً وكمداً ومرضاً.. وهذا ما تفصح عنه الصورة الفوتوغرافية التي التقطت صباح اليوم التالي أي بعد ساعات من الوفاة..وفقا لما هو منشور..!

المؤكد أن وفاة إنسان حدث مؤلم، على أن المصاب الفادح ، المتولد عن الموت، هي مأساة القلق والخوف والحزن عن فقدان من تحب، وهذا ليس وقفاً على البشر، وإنما على الحيوانات، وبخاصة الكلاب، باعتبارها وفية لصاحبها..

فعبرت عن مشاعرها بتلك الطريقة، حيال وفاة إنسان، لم تذرف دموع أهله على رحيله.. ولم تصدر بيانات النعي من قبل المؤسسات الرسمية والشعبية ، ولم يتسابق الرؤساء ونوابهم.. والوزراء ووكلاؤهم.. وزعماء وأمناء عموم الأحزاب، لإرسال برقيات التعازي والمواساة والمراثي..

ولم تقم مآتم العزاء ، كما في حالة كبار الفاسدين والنهابة وتجار الحروب والأزمات والكرب وقطاع الطرق ومشايخ الفيد والارتزاق ؛ لأن الراحل شخصية بسيطة.. وليست حاله بأفضل من عشرات الأدباء والمثقفين والفنانين والصحافيين والأطباء والمهندسين والأكاديميين والمعلمين والمناضلين المنسيين وغيرهم، ممن يرحلون بصمت، دون التفاتة من الجهات الرسمية لبيانات المناشدات الغزيرة ، التي قلما يمر يوم دون أن نقرأها في الصحافة الإلكترونية والسوشال ميديا.. وهي تدعو لإنقاذ حياة هذا.. أو ذاك من الموت مرضاً وجوعاً وحسرة.. ولكن لا حياة لمن تنادي..!

يمكن أن يقال الكثير.. ويكتب غير القليل عن “قصة إسماعيل” المؤلمة وخلفياتها، وأسبابها ، وفي هذا لا أبالغ إذا ماقلت أن محنة الرجل تختزل بكل تفاصيلها، المعلومة منها والمجهولة، مأساة ملايين اليمنيين، ممن قذفت بهم إلى العراء، الحرب الملعونة والكافرة والقذرة ، التي دمرت كل شيء، وأي شيء يمت للحياة بصلة ، وأشدها فتكا هو تدمير نفسية الإنسان وعقله وروحه وقيم مجتمعة..!

وأعتقد أنه من المناسب أو هكذا أرى.. توسيع دائرة التناول قليلاً هنا، للإشارة إلى الحرب التي تغذيها عواصم إقليمية ودولية معروفة للقاصي والداني، وهي أطراف تتربص باليمن، وتتصارع عليه، خدمة لمصالحها ، لا من أجل الشعب اليمني.. ينبغي عليها أن تتوقف عن صب الزيت على النار.. فتدع اليمنيين وشأنهم.

في هذا الصدد جدد أمين عام الأمم المتحدة انطونيو غوتريش، خلال حديثه في جلسة مجلس الأمن الدولي، المنعقدة الثلاثاء الماضي في نيويورك، حول “الحفاظ على السلام والأمن الدوليين: مراجعة شاملة للوضع في منطقة الخليج العربي”..

وفقا للتقارير الصحافية الخارجة من مقر المنظمة الدولية، فقد خاطب غوتريش أعضاء المجلس بقوله: “ما زلت قلقًا للغاية بشأن الوضع في اليمن، وهو صراع محلي، أصبح إقليمياً بمرور الوقت، حيث أدت ما يقرب من 6 سنوات من الحرب إلى تدمير حياة ملايين اليمنيين، وقوضت جهود بناء الثقة في المنطقة، مطالبا بوضع نهاية سريعة لتلك الحرب”.

بهذا المعنى.. لولا الحرب ، لما ازدحمت الميادين والساحات والشوارع والأرصفة والطرقات ومخيمات النازحين والمشردين من ديارهم في كل مدينة باليمنيين.. من نساء وأطفال وفتيات وعجزة وشيوخ.. وهم بين مريض وجريح.. جائع ومتسول..

ولولا الحرب لما استمرت المنظمات الدولية المعنية بشؤون الإنسان وحقوقه وغذائه وصحته.. تتاجر بمأساة اليمنيين ، تلهف مليارات الدولارات إلى جيوبها.. وهي أموال يقدمها المانحون، مساعدة للشعب اليمني.. ولولا الحرب ثالثاً وعاشراً ، لما أمسينا وأصبحنا، نعيش على وقع أنباء استباحة دماء الأبرياء ..وجرائم بشعة غير مألوفة في يمننا وفي القلب منه مدننا الكبرى.

من هنا علينا ألا نكتفي فقط بالإدانة اللفظية لعملية اغتصاب فتاة.. واختطاف طفل.. واغتيال مسؤول.. وقتل مواطن بدم بارد.. إلى غدر الإنسان بأخيه، وخيانة الجار لصديقه..

مطلوب أن نستنهض الهمم، وأن نتعلم من درس وفاء وإخلاص بضعة كلاب ضالة للمواطن إسماعيل رحمه الله.. وذلك لن يتم إلا بإحياء القيم الإنسانية الإيجابية بيننا ، وفي المقدمة استشعار الأخطار المحدقة بمجتمعنا، وعدم التعامل معها بسلبية وصمت..

نحن بحاجة للعودة إلى تعميل العقل.. وحشد كل ما نمتلكه من وسائل مشروعة، منها الوعي وبعث الضمير.. وروح الإيثار والتكاتف المجتمعي..لوضع حد لكل من يهدد حياتنا وكرامتنا، وذلك بكبح جماح القتلة، من خلال نزع أسلحة الموت وأدوات البلطجة.. ومعاول الهدم ووسائل إشاعة الفرقة والكراهية والفتنة من أيدي عصابات منفلتة..

وكشف من يقف خلفها، تخطيطاً وتمويلاً وتنفيذاً، وتقديمرالمجرمين لعدالة الأرض.. حتى لا يترك أطفال وبنات ـ وجميعنا دون استثناء ـ للضياع بين مخالب ذئاب بشرية.. يقال إنهم من أبناء جلدتنا..- و ياللأسف – أصبح خطرهم أكثر فتكاً من حيوانات مفترسة، والتي بمجرد سماع أصواتها، يتخذ الإنسان ما يجب من قوته ، لتجنب شرورها.

هذا هو القليل مما ينبغي فعله.. وحمى الله اليمن وأهلها من كل مكروه وشر..!

 

قد يعجبك ايضا