عقبة نيوز
موقع إعلامي يمني جنوبي، يُعنى بمختلف شؤون الواقع المحلي الجنوبي بوجه خاص، والشأن العربي والدولي عامة.

الإبراهيمية: دين التطبيع الجديد..!

بقلم/ مصطفى الهادي

لم تكن مسألة إطلاق إسم “التطبيع الإبراهيمي” على عملية التطبيع بين الإمارات والبحرين وإسرائيل اعتباطية. لأننا نعرف أن كل الاتفاقيات التي تم عقدها بين الدول تحمل إسم المكان الذي حدثت فيه.. مثل إتفاقية أوسلو، إتفاقية وادي عربة، إتفاق مدريد.

وهكذا حمل بعض الاتفاقيات أسماء الأشخاص الذين قاموا فيها.. فليس من المعهود إطلاق التسميات الدينية من بلد يدعم العلمانية والإلحاد بأبشع صورة.

أثارت هذه التسمية جدلاً واسعاً وكلٌ أدلى بدلوه وكتب رأيه.. ولكن تبين فيما بعد أن هذه المسألة عميقة وخطيرة جداً وتحمل دلالات تحوّل ديني خطير من خلال ما يُسمى “البيت الإبراهيمي”.

ولعلهُ من الألطاف الإلهية أن يكشف السفير الأمريكي في إسرائيل “ديفيد فريدمان” عن خفايا هذه الإتفاق فيقول: إن اتفاقية السلام بين الإمارات وإسرائيل ستحمل إسم “إتفاق إبراهيم”. نسبة إلى نبي الله إبراهيم وهذا الكلام يكشف طبيعة هذا الإتفاق الذي رعته أمريكا المسيحية وطرفيه هما إسرائيل اليهودية ، والإمارات الإسلامية. وهذه الديانات الثلاث تزعم أنها إبراهيمية.

الغريب أن الإمارات هي الراعي الأساس والمهم في هذا المشروع العقائدي الخطير والتي تسعى من خلاله أيضاً إلى اصدار كتاب مقدس يُمثل الأديان الثلاث (اليهودية ، المسيحية، الإسلام).

وذلك من خلال إعادة صياغة النصوص الدينية لكل الديانات الثلاث عن طريق إختصار واختزال تعاليم التوراة والإنجيل والقرآن وصهرها في كتاب واحد. ولكن الخطير في هذا المشروع هو إختفاء العروبة والإسلام لصالح الرؤية التوراتية الصهيونية.

الإمارات وكافة الدول العربية تعلم جيداً أن المستفيد الأول من هذا الإتفاق وهذا المشروع هم الصهاينة الذين يزعمون منذ القدم أن إبراهيم هو أبوهم وحدهم كما نقرأ في يوحنا قولهم: (إننا ذرية إبراهيم، ولم نستعبد لأحد قط. أبونا هو إبراهيم).(1)

هذه النظرة المتعالية التي نفخت ادمغتهم تجعلهم لا يُذعنون لأحد حتى السيد المسيح عندما حاججهم في ادعائهم بأنهم ذرية إبراهيم ونفى ذلك وأخبرهم بأن كثيرين سيزعمون أنهم من إبراهيم كما نقرأ في متى: (وأقول لكم: إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم).(2)

فثارت ثائرتهم وشتموا السيد المسيح واتهموه بأنه ابن زنا تلميحاً: (فقالوا له: إننا لم نولد من زنا لنا أب واحد وهو الله. إنك سامري وبك شيطان. أجاب يسوع: أنا ليس بي شيطان ، أنتم تهينونني). (3)

فالذي لا يتورع عن إهانة نبي من أنبياء الله بحجم عيسى ويتهمهُ بأنه إبن زنا لمجرد نفي المسيح بأنهم أولاد إبراهيم، فهل يقبلون اليوم بمن هو أدنى من المسيح أن يزعم أيضاً أنه من إبراهيم..؟

لم يشهد التاريخ حماساً عند أحد لتنفيذ هذا المشروع كما نشهده عند الإمارات في السعي وراء التنفيذ.. فقد أمر محمد بن زايد أن يتم حجز جزيرة السعديات بالقرب من أبو ظبي لبناء اكبر صرح ديني يضم ثلاث معابد معاً (الكنيسة والمعبد والمسجد) والذي سيكتمل سنة 2022.

لقد فات هؤلاء المطبعين أن هذا المشروع هو مؤامرة خطيرة لفرض واقع الصهاينة من أنهم أحد أتباع إبراهيم ونسوا هؤلاء أن الصراع مع اليهود لا لكونهم يهود إنما مواجهة المشروع الصهيوني في إحتلال فلسطين والتآمر على المنطقة بأسرها.

بمجرد الإنتهاء من توقيع معاهدة التطبيع وإطلاق التسمية الإبراهيمية عليه ولم تمض ساعات على ذلك انطلقت شخصيات إسلامية وسياسية ومؤسسات بالترويج والتشجيع على الإيمان بالديانة الإبراهيمية الجديدة ، فعقدت مؤسسة الثقافة الإسلامية والتسامح الديني في إسبانيا ندوة بعنوان “العائلة الإبراهيمية سلام وتواصل”.

ثم اعقبهُ الدكتور محمد مطر الكعبي رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بدولة الإمارات ، وأطلق على المعاهدة الإبراهيمية بـ”المعاهدة النبوية”.

ومن مدريد في أوربا قام مدير الدراسات الشرقية والعبرية ومدير جامعة كمبلوتنسي باطلاق مبادرة “الروابط المشتركة بين الديانات الإبراهيمية واستثمارها.. الديانة اليهودية نموذجا”.

وقد شهدنا حماساً غريباً في مدينة الناصرية التي تقع بالقرب من أور التاريخية ومنذ زمن مبكر. حيث جرت محاولات الصلاة والحج إلى زقورة أور على أنها بيت إبراهيم ، ناهيك عن الاستهداف الخطير لشباب الناصرية حيث نرى تغييرات خطيرة في بنية الشباب الثقافية. إضافة إلى المشروع الخطير لبناء أكبر كنيسة في الشرق الأوسط تحت إسم “كنيسة مار ابرام”.(4)

ولكن فات هؤلاء جميعاً أن مصطلح (الدين الإبراهيمي) ومن سنوات طويلة كان يُستخدم للإشارة للإسلام وحده وقد حفلت كتب ماسينيون وتلميذه يواكيم مبارك الكاهن اللاهوتي بهذه التسمية والتحدث بها بصيغة المفرد المقصود به الإسلام.

كيف نجمع بين الديانات الثلاث والاختلافات بينها شاسعة جداً لا يمكن رأب صدوعها. فقد ركز المفهوم الإسلامى لدين إبراهيم على شرط التوحيد وعدم الشرك بالله، فإبراهيم الإسلام ليس إبراهيم اليهودية والمسيحية، ففى الإسلام العقيدة راسخة هي أن إبراهيم أبا التوحيد بينما يزعم اليهود أنهم أبناء إبراهيم وهو والدهم كما في النص أعلاه أو أنهم أبناء الله.

وفي المسيحية فإن إبراهيم مجرد مؤمن عادي كما يصفونه بأنه افتخر بأعماله التي لم يقبلها الله : (إن كان إبراهيم قد تبرر بالأعمال فله فخر، ولكن ليس لدى الله).(5)

بينما يرى المسيحييون أن عيسى هو الله. يضاف إلى ذلك على هؤلاء جميعاً تجاوز ما يعتقده المسلمون في إبراهيم والذي بيّنهُ القرآن بقوله: (ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين).(6)

المصادر:
1- إنجيل يوحنا 8 : 33.
2- إنجيل متى 8: 11.
3- إنجيل يوحنا 8 : 49.
4- تصريح ممثل الفاتيكان ورئيس مؤسسة الحجيج العالمية المطران اندريانا ليبيريو : ان هذه الزيارة تعد رسالة سلام وجاءت ايضاً لتطوير القطاع السياحي الديني في بيت النبي إبراهيم الخليل في مدينة الناصرية ،أن هذه الزيارة تعتبر زيارة تمهيدية ستعقبها زيارة لبابا الفاتيكان إلى العراق في المستقبل القريب.
5- رسالة بولص الرسول إلى أهل رومية 4 : 2.
6- سورة آل عمران آية : 67.

 

قد يعجبك ايضا