عقبة نيوز
موقع إعلامي يمني جنوبي، يُعنى بمختلف شؤون الواقع المحلي الجنوبي بوجه خاص، والشأن العربي والدولي عامة.

نداء علي ناصر: تعدد البلاغة واستثنائية الموقف الوطني

كتب: كريم الحنكي

لكنها بلاغة الموقف الوطني والسياسي، والتواؤم والاتساق الثابت مع الذات والتاريخ الشخصي والفكري والنضالي العام، (الذي يكاد ينفرد به الرجل وحده بين جميع البارزين من قادة الجنوب)، هي ما يستوقفنا في حقيقة الأمر هنا بقدر يصعب…

مع أهمية النداء الأخير الذي دعا فيه  الرئيس اليمني الجنوبي الأسبق علي ناصر محمد إلى وقف الحرب أثناء شهر رمضان هذا العام موجهاً إياه إلى جميع أطراف الحرب الدائرة على اليمن منذ أكثر من تسعة وأربعين شهراً، فإن عدداً من النقاط والتعبيرات الواردة فيه يسترعي الاهتمام بوجه خاص.

وعلى الرغم من شموله أطراف الحرب كافة على السواء، دون تمييز بين من يشنها مهاجماً لا يريد لها أن تقف ولو لأيام، ومن يخوضها مدافعاً دائب السعي إلى إيقافها إن لم يكن لخوض تسوية سياسية شاملة يتم فيها التوصل إلى حلها السلمي، فلأي داعٍ من دواعي إيقافها المؤقت، لجولة تباحث أو حتى لهدنة لا تزيد على بضعة أيام؛ فقد يستوقف المتابع إصرار الرئيس ناصر في ندائه هذا على بعض التعابير الدبلوماسية المتواترة مضموناً في تصريحاته المتصلة التي يتجنب بها الوقوف المباشر الصريح مع أي من جانبيها والتي تضعه برغم ذلك على مسافة واضحة القرب من المعتدى عليه في اليمن بقدر وضوح ابتعادها عن المعتدي الخارجي.

صحيح أن الرئيس ناصر يتجنب لا يزال تعابير قاطعة مثل حرب العدوان، أو الدفاع عن الشرعية؛ إلا أنه يلتزم باتساق وثبات بمواقفه وتعبيراته المعلنة منذ بدء عاصفة الحزم السعودية الإماراتية.

فهو ما أن يفرغ من استهلال ندائه هذا ببضع كلمات هي: “يحل على الأمة العربية والإسلامية شهر رمضان الكريم هذا العام… وهو خامس رمضان سيعيشه شعبنا في أجواء الحرب والقتال الدامي منذ 2015م”، حتى ينتقل إلى صلب موضوعه مقدماً إياه في صيغة تساؤل العارف الذي يتكرر في ابتداء نقاطه كلها.

نجده يقول مثلاً في الثانية من تلك النقاط:

“أما آن للتحالف وحلفائهم وأنصار الله وحلفائهم أن يتأملوا ويفكروا في حل عادل وشامل يراعي مصالح اليمن وأمنه”.

فيستوقفنا وضوح تعيين الرجل لطرفي الحرب دون أن يذكر ما يسمى الشرعية بوصفها طرفاً على الإطلاق؛ بل حليف للطرف الأول (الخارجي العربي) الذي هو التحالف، بما يحيل إلى سعوديته وإماراته، وحلفائهم؛ بينما الطرف الثاني (وهو الداخلي اليمني) أنصار الله وحلفائهم.

وذلك يتسق بوضوح مع سوابق تصريحات الرئيس ومواقفه المشار إليها أعلاه، والمورد بعضها تذييلاً أدناه.

في رابعة نقاط النداء، نجده يقول:

“أفما آن للتحالف العربي أن يفتح المطارات بين المحافظات والخارج ليرفع هذه المعاناة غير الانسانية”.

وهي أغنى عن أي تعليق؛ كما أن ما يليها يُحمل عليها.

لنجده يبين في تساؤليه الأخيرين، تاسع نقاط ندائه وعاشرها، قائلاً:

“أما آن للبعض الذين يبثون الكراهية بين أبناء شعبنا ويثيرون النزعات الطائفية والقبلية والقروية أن يتوقفوا، ليحل الوئام والسلام بين أبناء شعبنا العظيم.

أما آن لأشقائنا وجيراننا والمجتمع الدولي ممثلاً بالمبعوث الأممي السيد مارتن جريفيث أن ينتقلوا من إدارة الأزمة إلى حلها وإلى إحلال السلام في اليمن”.

مديناً أطراف العدوان كافة، دون أن يسميهم صراحةً كذلك بطبيعة الحال؛ ولا ينبغي له.

 

ولكي يتضح ما هو واضح أصلاً، لنعرج -تمثيلاً فقط- على بعض مما سبق أن صرح به الرئيس في هذا الصدد؛ من مثل وصفه الحرب الدائرة على  بلاده منذ أربعة أعوام، بأنها:

*”ليست حرباً بين اليمنيين و انما هي حرب إقليمية تؤججها دول لا تريد الاستقرار لليمن”.

*”لحظة اعلان عاصفة الحزم كنتُ متواجداً في دولة خليجية وطُلب مني تأييدها مقابل اغراءات كثيرة لكنني رفضتُ ذلك بشدة”.

*”حذّرت التحالف العربي بأن الحرب ستستمر لسنوات وليس لشهر واحد كما كانوا مخططين لها”.

*”التحالف العربي حتى ولو دخل الحديدة، بل وصنعاء نفسها، فإن ذلك لن ينهي الحرب وإنما ستكون بداية جديدة لحرب أخرى”.

 

إن البلاغة السياسية والدبلوماسية التي يحفل بها نداء موجز كهذا، مع ما يساندها من بلاغة لغوية تعبيرية تتمثل بتساؤل العارف، المستعين بالنفي الذي يستدعي التوكيد بـ: بلى، ليست هي ما يستوقفنا هنا. ولا حتى البلاغة الإنسانية المتمثلة بالالتفات إلى دواعي توجيهه وأهميتها.

لكنها بلاغة الموقف الوطني والسياسي، والتواؤم والاتساق الثابت -بسبق ترصُّدٍ وإصرار- مع الذات والتاريخ الشخصي والفكري والنضالي العام، (الذي يكاد ينفرد به الرجل وحده بين جميع البارزين من قادة الجنوب المفتقر افتقاراً لافتاً إلى مثل هذا الاتساق والتواؤم)، هي ما يستوقفنا في حقيقة الأمر هنا بقدر يصعب إخفاؤه من التقدير والإكبار.

 

أخيراً؛ ليس المنتظر من ذلك النداء أن تلبيه دول العدوان، المعنية به أساساً، والمغيظة ممن وجهه أكثر من أي يمني جنوبي مشت به قدم على هذه الأرض. لكنه رسالة متعددة الغايات وجهات العنية التي قد تتلقاها جميعاً، ما عدا الجنوب.

كما أنه تأكيد موقف وطني إنساني سوي واستثنائي، لقائد سوي واستثنائي.

 

نص النداء

بسم الله الرحمن الرحيم

نداء لوقف الحرب في اليمن في شهر رمضان الكريم

يحل على الأمة العربية والإسلامية شهر رمضان الكريم هذا العام (1440 هجري – 2019 ميلادي)، وهو خامس رمضان سيعيشه شعبنا في أجواء الحرب والقتال الدامي منذ 2015م.

ويحق لنا أن نتساءل، أما آن لهذا الشعب أن يهنأ بصيامه وقيامه بعيداً عن أجواء البارود والدم وأزيز المدافع.

أما آن للمحاربين أن يستريحوا ويريحوا أرواحهم المنغمسة في سفك أرواح الأبرياء.أما آن للتحالف وحلفائهم وأنصار الله وحلفائهم أن يتأملوا ويفكروا في حل عادل وشامل يراعي مصالح اليمن وأمنه واستقراره وسيادته كما يراعي مصالح القوى المحلية والاقليمية والدولية.

أما آن لهم أن يضعوا حداً لتجارة الموت وتجار الحروب الذين يثرون من دماء البسطاء.

يعاني شعبنا للعام الخامس من فقدان الأسس الطبيعية لحياته… لا كهرباء ولا رواتب… الطلاب لا يجدون مدارس للتعلم ولا كتب مدرسية، والمرضى لا يجدون أدوية ولا مستشفيات للعلاج ويموتون في الطرقات بين المدن والمطارات في محاولاتهم الشاقة للحصول على العلاج في الخارج.

أفما آن للتحالف العربي أن يفتح المطارات بين المحافظات والخارج ليرفع هذه المعاناة غير الانسانية.

أما آن لهم أن يفكروا في وقف الحرب وعودة الملايين من أبناء شعبنا إلى منازلهم ومزارعهم وأعمالهم لاستثمار خيرات بلدهم ليعيدوا إعمار ما دمرته الحرب في المنشآت وفي النفوس وفي القيم بدلاً من استجداء المساعدات الانسانية فالشعب بحاجة السلام.

أما آن لهم أن يتخذوا موقفاً شجاعاً بوقف الحرب تعلماً من تجارب التاريخ واحتذاءً بالهامات من زعامات سابقة اتخذت مثل هذا الموقف كالرئيس جمال عبد الناصر والملك فيصل بن عبد العزيز رحمهما الله.

أما آن لأصوات الرصاص وأزيز الطائرات وهدير الصواريخ والمدافع أن تصمت.

أما آن وقت الاستجابة لأنين الأطفال ودعوات النساء والشيوخ.

أما آن للبعض الذين يبثون الكراهية بين أبناء شعبنا ويثيرون النزعات الطائفية والقبلية والقروية أن يتوقفوا، ليحل الوئام والسلام بين أبناء شعبنا العظيم.

أما آن لأشقائنا وجيراننا والمجتمع الدولي ممثلاً بالمبعوث الأممي السيد مارتن جريفيث أن ينتقلوا من إدارة الأزمة إلى حلها وإلى إحلال السلام في اليمن.

إننا نعتقد جازمين أنه آن لأجراس الحرب أن تتوقف وآن لأصوات الحرب أن تصمت وآن لشعبنا أن يُمنح سُويعاتٍ من الطمأنينة والسكينة في هذا الشهر الفضيل فاتقوا الله فيه.

ورمضان كريم.. وكل عام وأنتم بخير..

قد يعجبك ايضا