عقبة نيوز
موقع إعلامي يمني جنوبي، يُعنى بمختلف شؤون الواقع المحلي الجنوبي بوجه خاص، والشأن العربي والدولي عامة.

وزير داخلية هادي للرياض: أنا رجل المرحلة

الميسري يقدم نفسه بديلاً أقل انكشافاً، وأقدر نفعا

أعتقد أن اتفاقنا مع التحالف العربي هو الزحف على الحوثيين باتجاه الشمال، وليس الزحف باتجاه الشرق.. *اشتركنا مع التحالف في الحرب على الحوثيين، وليست الشراكة في إدارة المناطق المحررة.. بعض القوى المحلية ترتهن للخارج…

عقبة نيوز | المحرر السياسي:

التصريحات الأخيرة الموصوفة بالهجوم الأعنف على تحالف السعودية، والأول على دورها في اليمن، لوزير داخلية الحكومة اليمنية التابعة للرياض، لا يمكن اعتبارها جُرْأةً حقيقيةً، إلَّا بالنظر فقط إلى حال تلك الحكومة كلها ورئيسها “الشرعي” المشمولين جميعاً بوسم حكومة الدُّمَى (puppet government)، الذي قلما انطبق على أحد كما ينطبق عليهم، في تاريخ السياسة على هذا الكوكب.

وعلى الرغم من حقيقة أنها لا تتجاوز مضرب المثل المعروف (أوسعتهم سباً وأودوا بالإبل)، بالنظر ليقين الميسري التام وهو يتكلم بها من أنه لا يملك غير الكلام، ولا شيء سواه؛ فإنها مع ذلك، تمثل بحق تطوُّراً مهماً في إطار علاقة حكومته بالرياض خصوصاً وبالتحالف السعودي الإماراتي عامةً. فهي بالفعل المرة الأولى التي يُعرِّض فيها مسؤول رفيع -في حكومة الرياض اليمنية- بالرياض!

ذلك بالطبع على افتراض أن الوزير لم يتلقَّ، عبر قنواته الخاصة مع العاصمة السعودية، إذناً مسبقاً منها بأن يتولى إصدار أول تعليق رسمي على قيام المملكة باحتلال محافظة المهرة اليمنية شرق البلاد عقب انتشار كتائب قواتها المسلحة هناك في عاصمة المحافظة وسواحل مدينة حوف فيها، حيث أحكمت السعودية سيطرتها على مطار الغيضة وعلى منفذ صرفيت البري الكائن في مديرية حوف الشرقية على خط الحدود اليمنية مع سلطنة عمان.

جدير بالذكر هنا أن كثيراً من المراقبين كانوا قد اعتادوا من قبل على صدور تصريحات شاكية متذمرة، بل غاضبة بين حين وآخر، لمسؤولين كبار في حكومة الرئيس المنتهية صلاحيته، منهم الميسري نفسه. بيد أنهم كانوا يتوجهون فيها بشكاواهم ومطالبهم، وبنقدهم أو حتى هجومهم أحياناً، صوب الطرف الإماراتي فقط في تحالف العدوان؛ دون الطرف السعودي الذي يمحضونه عادةً خالص ولائهم وتبعيتهم.

لذلك، فإن تصريح نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية في ما يسميه أولئك المراقبون “الحكومة اليمنية المعترف بها” قد كان خروجاً عن المألوف بنقده الرياض هذه المرة، ومثيراً جداً بالتالي لهم ولغيرهم. فقرأوا فيه “تعاظم حالة التململ داخل دوائر صنع القرار في الحكومة الشرعية من العلاقة مع هاتين الدولتين الخليجيتين”؛ مُفترِضين بحسن ظنٍّ بالطبع أن لدى هذه الحكومة قراراً تصنعه هي.

 

أهم ما قاله نائب رئيس وزراء هادي

قبل الوقوف قليلاً مع بعض أبرز ما ورد، أثناء عقد لقاء عدن التشاوري منذ يومين، في كلمة أحمد الميسري من تصريحات ملأ بعضها الدنيا وشغل الكثيرين، لا بد لنا من القول أننا إن لم نعترف لها (وليس لصاحبها) بالجرأة الحقيقية، فإننا لا نملك إلا الاعتراف لها بذكاء الطامح، وبحسن الاشتغال في عالم السياسة في بلادنا ومنطقتنا، وألاعيبها.

فالرجل يدرك تماماً أن الرياض التي تكرم بسخاء أتباعها المخلصين، لا شيء أسهل عليها من جرهم إليها إن أغضبوها بحيث تبقيهم لديها مجبرين في وضع قد لا يختلف كثيراً عن وضع حبيس كافور، وهو “عنِ القِرى وعن التَّرْحَالِ مَحدودُ”.

ومع ذلك، فقد تصدى لمهمة الرد عليها وانتقادها بقدرٍ من الذكاء المشار إليه، الذي لا يمكن أن يظهر لكثير من عامة الناس وبعض من خاصتهم إلَّا بوصفه جُرْأةً تستحق الإعجاب والإكبار وغَيرةً وطنيةً لا تخلو من الاعتداد ومن الكرامة الشخصية والعامة في نظر اليمنيين في الجنوب خاصةً وفي أعين الجنوبيين بما فيهم حتى من تخلص فيه من يمنيته، على حد سواء؛ كما أنه لا يمكن أن يُنتقد إلا -في أسوأ الأحوال- بوصفه إدراكاً أتى متأخراً، لكنه خير من ألَّا يأتي.

وكما قدَّر الرجل، فقد حظي بترحيب بالغ من اليمنيين المؤيدين للحرب على بلادهم كافة؛ وبتهليل مثقفيهم الذين سارع بعضهم إلى الإعلان بأن “خطاب الميسري الأخير أفضل خطاب سياسي يمني منذ العام 2014″؛ بينما ظهر شيء من كرامة مسكوتٍ عنها طويلاً لدى بعضهم الآخر، فهتف: “هكذا الوزراء وإلاّ فلا يا وزراء الشرعية ومحافظيها”!

وإن امتعض جنوبيو الإمارات من قادة مجلسها الانتقالي الذين مسَّهم من الشظايا الميسرية ما مسَّهم، فاتهم بعضهم مُطلِقَها بالكَذِب، قائلاً:

“ماذا يريد هؤلاء المجتمعين سواء في الائتلاف أو من جمعهم الميسري أمس ليقول لهم عكس ما نجريه معه وجنوبيي الشرعية”.. مضيفاً بلبوس الحكماء الشطَّار: “إن فتح جبهة سياسية في عدن، في ظل اشتعال جبهات عسكرية في حدودنا مع الشمال أمر غير مفهوم وليس بحكيم أيضاً”.

 

قال الميسري:

*أعتقد أن اتفاقنا مع التحالف العربي هو الزحف على الحوثيين باتجاه الشمال، وليس الزحف باتجاه الشرق.. *اشتركنا مع التحالف في الحرب على الحوثيين، وليست الشراكة في إدارة المناطق المحررة.. *لدينا رجال دولة ولدينا شخصيات اجتماعية وركائز اجتماعية ضاربة في جذور هذه الأرض، وهي قادرة على أن تحافظ على المجتمع حتى وإن اهتزت الدولة.

وقال:

*بعض القوى المحلية ترتهن للخارج وتدخل في صراعات ونزاعات تضر بالمدينة وتهدد السلام فيها.. *أكثر ما يعطل البناء والاستقرار في الجنوب هي المناكفات التي لا قيمة لها، بسبب انحراف بعض القوى التي تدعي حمل القضية الجنوبية؛ مما أساء للقضية.. *جهاتٍ داخلية تعمل مع الخارج لمنع عدن من النهوض، ومنع مينائها.. *عدن لن تستظل بثقافة القرية الواحدة، أو الفئة الواحدة.. *الأيادي المرتجفة لا تعمل مسودة استقلال الدول.. *الجنوب ليس حكراً على أحد، الجنوب ملك كل الجنوبيين.. *الجنوبيين هم من سيقررون مصيرهم.. *آن الأوان لنقف صفاً واحداً ونقول للعابثين: كفى.

 

وبناءً عليها، فمن الواضح أن كلمة الوزير المهندس جديرة بكل ما حظيت به من الاهتمام، وربما أكثر. فهو قد وجه في مختلف سطورها، وما بينها، رسائل متعددة الخطاب لكُلٍّ من: الخارج، الدولي (والإقليمي خصوصاً)، والداخل، اليمني (والجنوبي خصوصاً)، وفي آن واحد، صبيحة لقاء عدن التشاوري الأول المنعقد برعايته وحضوره وتصدره، يوم السبت الفائت؛ بعد بضعة أيام فقط من انعقاد مؤتمر الائتلاف الوطني الجنوبي الأول أيضاً بعدن.

وإذا التفت البعض بشيء من استفهامٍ أو تعجبٍ إلى ورود عبارة رجال دولة، أكثر من مرة في تصريحاته، حين قال بثقة ظاهرة، مخاطباً الخارج وموحياً كذلك للداخل:

(يجب أن يعلم الأشقاء في التحالف العربي أن هناك من رجالات الدولة من لديه الجرأة ليقول لهم إن السير معوج، ويجب أن يستقيم الحال).

فلا غرابةَ، ولا عجبَ؛ لأن الرجل في محصلة خطابه المثير هذا لا يطالب حقيقةً بتقويم اعوجاج تبعيته وحكومته للتحالف ولا إصلاح الخلل في مسار تلك العلاقة غير الشريفة ولا الكريمة في أصلها على الإطلاق.

كل ما في الأمر هو أن وزير داخلية هادي إنما يقدم نفسه بديلاً لهادي في الحقيقة، بوصفه هو رجل الدولة المرتقب الأنسب في هذه المرحلة، والأقدر، الذي يمكنه هو الآخر أن يكون للرياض تماماً مثل رئيسه: دُميَةً حقيقيةً؛ لكن أقل انكشافاً بكثير؛ وأكثر نفعاً بالتالي لها ولكل من يهمه أمر تحالفها!

قد يعجبك ايضا