عقبة نيوز
موقع إعلامي يمني جنوبي، يُعنى بمختلف شؤون الواقع المحلي الجنوبي بوجه خاص، والشأن العربي والدولي عامة.

(الرؤية الوطنية لبناء الدولة اليمنية الحديثة): ملاحظات نقدية

محمد ناجي أحمد

كعب أخيل الرؤية.. أنها تركز على الإسلام كمبادئ وتعاليم ومنطلقات وضوابط لبناء الدولة.. وبهذا تكون مغايرة لتصور أنصار الله.. الذي تقدمت به إلى مؤتمر الحوار الوطني، وقد نصت فيه على مدنية الدولة وعدم اتصافها بالإسلام أو الإيمان أو التدين…

ينبغي أن نؤكد في البداية على أن (الرؤية الوطنية لبناء الدولة اليمنية الحديثة ) في محاورها العديدة تختلف عن (المبادئ العامة) التي تضمنتها هذه الوثيقة، التي يفترض أن تنطلق من أسسها هذه (الرؤية) فالمبادئ العامة تؤسس لدولة دينية، في حين أن محاور وتفاصيل (الرؤية) تمت صياغتها باحتراف مهني، ووعي ينتمي إلى (اقتصاد السوق ) و(الاقتصاد الاجتماعي) باستثناء أنه في محور العدالة الاجتماعية تم إقحام مسألة (تعزيز الاحسان) وهذه ليست من وظائف الحكومة وإنما وظيفة الوعاظ وخطباء المساجد، والثقافة الريفية والبدوية، لكن التفات (الرؤية) إلى موضوع توظيف واستثمار أموال وممتلكات الأوقاف في إنشاء شركات استثمارية لتشغيل العاطلين من الفقراء، وإعطاء الفقراء أسهماً في هذه الشركات يعد خطوة متقدمة في سياق (الاقتصاد المجتمعي) فوظيفة الحكومة هي تشجيع الإنتاج وخلق فرص عمل لا تشجيع وتعزيز (الإحسان والصدقات) الذي يعزز ويضخم البطالة والعطالة..

تركز الرؤية في مبادئها العامة -وهي كعب أخيل الرؤية من وجهة نظري- على الإسلام كمبادئ وتعاليم ومنطلقات وضوابط لبناء الدولة اليمنية الحديثة، وعلى تحقيق العدالة والمواطنة واحترام الحقوق والحريات صمن الثوابت الدينية، والأسرة هي مركز الاهتمام لا الفرد. وبهذا تكون الوثيقة مغايرة لتصور أنصار الله بخصوص بناء الدولة، والذي تقدمت به إلى مؤتمر الحوار الوطني، وقد نصت فيه على مدنية الدولة وعدم اتصافها بالإسلام أو الإيمان أو التدين…إلخ.

تتعامل الوثيقة (الرؤية) مع الدستور، أياً كان الدستور الحالي أو الذي سيتم تعديله، على أنه مرجعية يُسترشد بها كغيرها من الوثائق مثل برامج الأحزاب أو برنامج الحكومة أو الخطة العالمية للتنمية المستدامة والتجارب والمقترحات ورؤى المؤسسات الحكومية وغير الحكومية وتصورات الأحزاب والمكونات السياسية -وهنا يصبح الدستور ليس (قانون القوانين) وإنما مجرد وثيقة يسترشد بها… من ضمن عديد مرجعيات.

لو كانت المبادئ العامة متسقة مع تصور أنصار الله لبناء الدولة التي قدموها في الحوار الوطني،  لكانوا موفقين. لكنهم تركوا التميز ووضعوا مبادئ عامة لا أراها عكست جوهر الرؤية… رؤية فيها جهد مميز لبناء الدولة؛ لكنهم أسسوها على مبادئ الدولة الدينية، وكأن داخل حركة أنصار الله من لا يريد لهم أن يطوروا نهجهم انطلاقاً من أدبياتهم التي قدموها لمؤتمر الحوار الوطني.

تميزت الرؤية في مفهوم التماسك الاجتماعي بالتنبه لتعزيز أسس التماسك الاجتماعي وإزالة آثار الصراعات وتحصين المجتمع من عوامل الانقسام وربط ذلك بالمقررات والمناهج الدراسية والمؤسسات الدينية، لكن (ترسيخ مبدأ الاحسان) مجتمعياً باعتقادي ليست من النقاط الإيجابية لأنها توسع من طبقية المجتمع، على عكس الإشارة إلى إنشاء مجموعة شركات من موارد الأوقاف لتشغيل الفقراء ومنحهم أسهماً كما جاء في الرؤية بشكل موفق وإيجابي.

في موضوع العدالة الاجتماعية، لم تنطلق من هدف الثورة اليمنية المتمثل بإزالة الفوارق بين الطبقات؛ وإنما كانت واقعية، فتحدثت عن (تقليل الفروق بين المواطنين) وتحقيق المساواة بين التوظيف وتكافؤ الفرص ومنع التمييز والتهميش والإقصاء الاجتماعي والحرمان من الحقوق، وإصلاح هيكل الأجور باعتماد مفهوم الدخل أي الراتب والبدلات والمكافآت بدلاً من مفهوم الأجر والراتب الأساسي، وتطبيق فلسفة النظام الضريبي متعدد الشرائح والتصاعدي، ودعم السلع والخدمات العامة من رعاية صحية وتعليم وتوفير مصدر دخل ثابت للفئات الأشد فقراً والعاطلين عن العمل.

وفي مفهوم (الهوية والثقافة)، كان هناك تنبه لوحدة الهوية التاريخية الحضارية والعربية والإسلامية، وترسيخ الهوية الوطنية الواحدة الشاملة والجامعة لكافة مكونات المجتمع اليمني كأساس لبناء الدولة اليمنية الحديثة… وتطوير مناهج اللغة العربية كمكون رئيس في مفهوم الهوية.

لكن مشكلة الرؤية أنها ركزت على الأسرة وليس الفرد، ولو وازنت في اهتمامها لكان الفرد هو أهم وحدة في بناء الدولة وليس الأسرة… مع العلم أن الرؤية تميزت بوعيها في الربط بين التنمية المستدامة والتوازن بين النمو السكاني والموارد المتاحة، وتوسيع سياسات التنمية وبرامجها إلى الريف وتشجيع الاستقرار فيه للحد من الهجرة وتضخم المدن، بناءً على استثمار موارد الأرض وطاقات الإنسان بكفاءة.

في المحور الاقتصادي، من الواضح أن أهداف هذا المحور كانت تدور في إطار (اقتصاد السوق) وأن دلالة التنافس تفهم في هذا السياق، مع تطعيمها بمفهوم (الاقتصاد الاجتماعي) وهو مصطلح نشأ كنظرية ورؤية في الرأسماليات التابعة ك(الهند).

هناك رؤية منهجية في كل محاور هذه الوثيقة الوطنية، في التناولات السابقة وفي الخدمة المدنية، وفي البيئة والدفاع والأمن والخارجية إلخ. وإذا كانت الوثيقة قد التزمت بموقف أنصار الله بإلغاء وزارة الإعلام دون أن تذكر ذلك، لكن الرؤية يفترض بها أن تقدم تصوراً عن الإعلام الذي يفترض مؤسسياً أن يكون، إدارةً ورسالةً وغاياتٍ؛ وهو ما أغفلته هذه (الرؤية الوطنية…). كذلك تناولت الوثيقة (الخدمة المدنية )؛ لكنها لم تحدد هل تكون الخدمة المدنية وزارةً أم هيئة.

ما يلفت نظر الباحث أن أنصار الله في إطار سلطتهم قدموا تصوراً لبناء الدولة اليمنية الحديثة بتفاصيلها، رغم مآخذي على المبادئ العامة التي افتتحوا بها هذه الرؤية، والتي لا تمَتُّ بصلة لجوهر الرؤية، وكأن المبادئ العامة مجرد رطانة شكلية؛ لكنها رطانة سلبية من وجهة نظري..

مع ذلك، فإن سلطة هادي وحكومته عاجزة عن إدارة المناطق التي يسيطرون عليها ويديرونها بعقلية العصابات لا الدولة. وهذه مفارقة واضحة لكل باحث يمتلك قدراً من الموضوعية والحياد الإيجابي.

قد يعجبك ايضا