عقبة نيوز
موقع إعلامي يمني جنوبي، يُعنى بمختلف شؤون الواقع المحلي الجنوبي بوجه خاص، والشأن العربي والدولي عامة.

وما أدراك ما عقبة عدن!

كتب: كريم الحنكي

عدن التي ذُكِرَت في عددٍ من كلاسيكيات مصادر التاريخ الإنساني وأحد الأسفار المقدسة في العهد القديم، وحُفِر اسمها في بعض نقوش المسند اليمنية، ناهيك عما لا يحصى من مصنفات المؤرخين والإخباريين العرب، إنما هي -كما يعلم الجميع- عدن القديمة: المدينة الميناء، والثغر المعروف في تاريخنا العربي باسم ثغر عدن، وثغر اليمن؛ والتي أطلق عليها البريطانيون في التاريخ الحديث: كريتر، لا سواها، عند احتلالهم إياها منذ نحو قرنين؛ حين شبه بعض غزاتها الإنجليز حائط الجبال المتدرِّجة الملتف على ظهر المدينة بـ”المدرج الروماني”.

“ومدينة عدن القديمة لم تتعد، إطلاقاً، حدود فوهة البركان، كريتر، التي تحيط بها الجبال كالسور”، كما يقول المؤرخ الرصين الأستاذ حسن صالح شهاب.

إن كُلَّاً من أسمائها تلك مرتبطٌ، على الأرجح، بطبيعة تضاريسها وتكوينها الجغرافي المُميِّز لها، والناشئ عن خمود بركان موغل في القدم. فاسمها الأجنبي الحديث (كريتر) صريح في دلالته المباشرة على معنى (فوهة البركان) في اللسان الإنجليزي؛ واسمها الاستعاري العربي (الثغر) يكني بوضوح -من جانب- عن أهميتها مع بعدها في آنٍ واحد؛ ومن جانب آخر، عن حصانتها المنيعة عسكرياً بطبيعة تكوينها الذي يُفْرِدُها تقريباً، بين مختلف الثغور المعروفة، بكونها محاطة بسلسلة جبالها على نحوٍ يكاد يسوِّرها جاعلاً منها (فوهة)، وهي أيضاً من معاني كلمة ثغر، في لسان العرب.

أما اسم عدن، الممتدة أصالته في أغوار الزمان، فإنه كذلك لا يعدم صلةً ما بهذا المعنى وفقاً لما توصل إليه الراحل الجليل الأستاذ عبدالله محيرز بعد بحث ومشاهدات في مناطق مختلفة من اليمن لعدد من الـ(عدنات) المضاف كل منها إلى اسم منطقة مجاورة تمييزاً له عن سواه -عدن أبين، عدن لاعة، عدن حمادة، وغيرها. فوجد رابطاً من شبه قريب أو بعيد بينها جميعاً خلص منه -في كتابه القيم العقبة– إلى ارتباط اسم عدن ذاته بتكوينها المشار إليه.

وبفضل من طبيعة جغرافيتها موقعاً وتكويناً فريداً من البحر والجبال، طال ما عُرفَت عدن عبر مختلف أدوار تاريخها بأهميتها التجارية ومناعتها الطبيعية التي تسهِّل تحصينها والدفاع عنها عسكرياً. فإحاطة الجبال بها على نحوٍ لا ينفتح إلا على البحر من جانب واحد، فرضت ألَّا يكون لها سوى مدخلين رئيسين: باب البحر من جهة الميناء والفرضة بخليج صيرة، أو باب الخضراء؛ وباب البر من جهة الجبال، الذي هو برأي أكثر المهتمين: باب العقبة.

وما أدراك ما العقبة ومنفذها!

سواءً كان ثلمةً صنعتها الطبيعة في الجبل كما يُرى، أو شقاً، كما يُروى، حفرته أيدي الأقدمين ليكون معبراً وحيداً لها من البر، فإنها على مَرِّ التاريخ مترس وممر. باب حصين يمنع ويسمح؛ وممر حيوي يصل عدن بمحيطها الجنوبي اليمني العربي. فهي عقبة في وجه من يجيئها بسوء وحرابة وتغييب؛ وممر آمن لكل قادم بخير وسلامة وأمان، حائلاً في الوقت ذاته دون كل محاولة لتغريبها أو سلخها عن هويتها وكينونتها الأصيلة.

وبذلك، فإن لباب عقبة عدن ظلالاً من المجاز والرمزية التي على أساسٍ منها رسا اختيارنا، ونحن نزمع إطلاق موقعنا الإعلامي الثقافي هذا، على اسمه. فكان (عقبة نيوز) الذي نرجو له أن يكون عقبة أمام شتى وجوه الإساءة إليها، تضليلاً وتشويهاً ومسخاً، وممراً في الوقت ذاته للوعي المنفتح والعقلانية لتصويب كثير من المفاهيم المغلوطة والفادحة التي أسهم احتلال المدينة الحاليّ في ترسيخها وتعميق أثرها الكارثي على عدن بوجه خاص والجنوب بعامته، بعد أن دأب أعوانه من باعة الوهم وطلاب القيادة على ترويجها سنين أتت أُكُلَها للأسف واقعاً مزرياً يتمثل في كل هذا الانفلات العام والتهاوي الفكري والسلوكي الهائل.

فمن يطالع المشهد العام الراهن في عدن والجنوب اليمني اليوم، مراقباً بتجرد وموضوعية ما يجري فيه من وقائع وأحوال لا تسر أحداً، ومظاهر واضحة الاختلال على نحوٍ انفصامي في كثير من الأحيان، يدرك أن جزءاً كبيراً من تردي الأوضاع والمعاناة المستمرة سببه الأعمق حجم التزييف الذي مورس على عامة الناس والشباب خاصةً، خلال السنوات العشر الأخيرة تحديدا. فالاستغلال غير العادل لقضيتهم العادلة إبان استباق كثير من رموزها على مواقع الصدارة وقيادة الشارع، وركوبهم بلا تروٍّ ومسؤولية موجة الاندفاع العاطفي غير العقلانية، قد حدا بهم إلى الاستخفاف بمسلمات الناس وتزوير تاريخهم وترويج مفاهيم وقناعات خاطئة وخطرة بين عامتهم، لم تسلم منه حتى الهوية التاريخية الثقافية والوطنية التي جرى تحريفها وتغييبهم عنها؛ بل تصويرها مؤامرةً عدوانية عليهم. فأسهم ذلك في تضاؤل منسوب السَّويَّة الذي لا تخفى مظاهره.

لذلك، كان باباً رئيساً من أبواب الموقع، (من ذاكرة الجنوب) -“فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى”.

وفي أولى مواده المنتقاة، مقال مطوَّل بالغ الأهمية، لأحد أعلام عدن الأفذاذ من رُوَّاد التنوير الثقافي والوطني فيها. يتناول فيه منذ ستين عاماً قضايا ملحة في واقعنا اليوم، مصوباً -بغير قصدٍ أو مباشرة- كثيراً من المغالطات التي ما كان يتصور انبعاثها وتأثيرها في حاضر أحفاده، بعد أكثر من نصف قرن على استقلال جنوب اليمن المحتل!

ومع التشويق الآسر لذلك المقال، يجده القارئ منشوراً في بابه المذكور -نظراً لحجمه وثرائه- في حلقاتٍ متتاليةٍ ثلاث تدفعه إلى إتمامها، ثم إعادة قراءتها مراراً بعد ذلك، وبتأمُّل.

قد يعجبك ايضا