عقبة نيوز
موقع إعلامي يمني جنوبي، يُعنى بمختلف شؤون الواقع المحلي الجنوبي بوجه خاص، والشأن العربي والدولي عامة.

عولمة السقوط العربي وتدويل اليمن

محمد ناجي أحمد

العجيب أن اليمن بالرغم من حالة الاحتراب والحرب الإقليمية الدولية فيها فإن وصفات وتعليمات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لم يتم تجميدها، بل هي مستمرة كحرب اجتماعية تعمل على مزيد من التضخم والإفقار والتفكك الاجتماعي…

بقرارات ترامب ذات الطابع العقابي على بعض الدول سرعان ما يحدث انهيار لعملتها أمام الدولار، وذلك لأن الاقتصاديات القومية متداخلة، والعمليات المصرفية التجارية وملكية المشروعات التجارية “التي تسيطر عليها نحو 750شركة عالمية، تتجاوز الحدود الاقتصادية، والتجارية الدولية متكاملة، والأسواق المالية في العالم أجمع ترتبط بحلقات وصل فورية من الحواسب الآلية” ص6-عولمة الفقر –ميشيل تشوسودوفسكي –ترجمة محمد مستجير –كتاب سطور 2000م.

لذلك فإن حركة الاقتصاد العالمي منضبطة بالإدارة الأمريكية، وما يترتب على ذلك من تزعزع البلدان وانهيار عملاتها الوطنية، والتي تكون نتيجتها “نشوب الشقاق الاجتماعي والنزاعات العرقية والحروب الأهلية”.

لقد أصبح الاقتصاد الأمريكي هو الاقتصاد الذي يوجه الاقتصاديات العالمية “بما يؤدي إلى تفكك مؤسسات الدولة، وتمزيق الحدود الاقتصادية، وإفقار الملايين من الناس” ص7-المرجع السابق.

طيلة عقود عمل الغرب الاستعماري على تفكيك الإنتاج في آسيا وأفريقيا، حتى تتوسع الأسواق أمام الشركات العالمية، والذي يتطلب تجزئة الاقتصاد المحلي وتدميره، وإزالة الحواجز أمام حركة الأموال والسلع، وينزع رأس المال الدولي ملكية الأرض وملكية الدولة، ويتم بناء الأسوار لمنع حركة الأيدي العاملة والمهاجرين، بل وتركهم يموتون غرقا في البحار والمحيطات أثناء رحلتهم وفرارهم من الفقر والحروب والتعصب. لقد لجأوا إلى الغرب الذي لا يتعامل بشفقة إن لم يرجُ أرباحاً طائلة من تلك الشفقة وذلك الإحسان!

في أواخر الثمانينات كان اندماج الشركات والبنوك التجارية والمستثمرين، وشركات السمسرة في البورصة وشركات التأمين الكبيرة، وتداخل وظائف البنوك التجارية مع وظائف بنوك الاستثمار وسماسرة البورصة –كل ذلك جعل يد الولايات المتحدة هي الطولى في زعزعة اقتصاديات العالم وإضعاف سيادة الدول.

ارتبطت اقتصاديات الدول التي كانت سابقا ضمن المنظومة الاشتراكية باقتصاد السوق العالمي، مما جعل اقتصادها واستقرارها مرهوناً بالشركات العالمية متعدية الجنسيات، والعقوبات الأمريكية الجزئية أو الكلية.

ليس هناك “حلول تقنية” للأزمات الاقتصادية في اليمن دون صراع اجتماعي مستمر، أي تحرير الثروة المركزة في أيدي أقلية اجتماعية، والمتحكمة في “خلق النقود” داخل النظام المصرفي، وليس هناك حلول دون إعادة سيطرة المجتمع على البنك المركزي من قبضة الدول الإقليمية، وسماسرة الصيرفة، فالنظام الاقتصادي العالمي “يتغذى على الانقسام الاجتماعي فيما بين البلدان وداخلها “ولمواجهته نحتاج إلى وحدة نضال قطاعات المجتمع: العمال والفلاحين والمنتجين والمهنيين والفنانين والموظفين المدنيين والجنود، ورجال الدين والطلاب والمثقفين .

العجيب أن اليمن بالرغم من حالة الاحتراب والحرب الإقليمية الدولية فيها، مع ذلك فإن وصفات وتعليمات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لم يتم تجميدها، بل هي مستمرة في خطواتها كحرب اجتماعية تعمل على مزيد من التضخم ومزيد من الإفقار والتفكك الاجتماعي “الأثر الاجتماعي لتخفيض سعر العملة الذي يرعاه صندوق النقد الدولي قاسية وعاجلة: فالأسعار المحلية للمواد الغذائية الرئيسية والعقاقير الأساسية والوقود والخدمات العامة تزيد بين يوم وليلة. ورغم أن تخفيض سعر العملة يطلق حتما التضخم و”دولرة” الأسعار المحلية، فإن صندوق النقد الدولي يجبر الحكومة (كجزء من الحزمة الاقتصادية)على ارتفاع ما يسمى “برنامج مكافحة التضخم” وليس لهذا الأخير كبير صلة بالأسباب الحقيقية للتضخم (أي تخفيض سعر العملة) وإنما هو يقوم على “انكماش الطلب” مما يتطلب فعل المستخدمين العمومين، وإجراء استقطاعات ضخمة في برامج القطاع الاجتماعي، وعدم ربط الأجور بالأسعار” المرجع السابق.

والذي حصل ويحصل في اليمن طيلة السنوات الماضية أنه تم استقطاع برامج القطاع الاجتماعي والخدمي ورواتب الموظفين، وأعفت حكومة هادي نفسها من مجال الخدمات العامة وصيانة الشوارع والمدارس والمستشفيات، وانخفضت رواتب الموظفين للمحافظات التي يتقاضى موظفوها –إلى نصف القيمة الشرائية مقارنة بسعر الدولار وإلى الثلث بقيمة المواد الغذائية والمحروقات إلخ، مما أدى إلى توقف انهيار العملة ومراوحتها بين 500-550 ريال للدولار، ولكن الأسعار ليست مرتبطة بالعملة الوطنية وإنما بالدولار، ولذلك لم ينعكس توقف تضخم العملة على انخفاض الأسعار، وبمجرد أن تقوم الدولة بواجباتها في الالتزام بالرواتب والصرف على قطاع الخدمات والقطاعات الاجتماعية، فإن العملة المحلية ستنهار إلى الضعف وربما ثلاثة أضعاف.

عودة الأمراض المعدية في اليمن، والتي كان يعتقد أنها أصبحت تحت السيطرة، ومن بينها الكوليرا وحمى الضنك، والملاريا والحمى الصفراء إلخ –لا يستبعد إن طالت الحرب واتسع الفقر وجثث القتلى والموتى أن يعود مرض الطاعون، فهناك التلوث، وسقي الخضروات بمياه الصرف الصحي مع وجود أخبار يتم تناقلها عن حرب جرثومية عملت وتعمل منذ بداية الحرب على انتشار الأمراض المعدية.

هناك تلازم في الحروب التي قادتها الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها بشكل مباشر مع الحروب التي تقودها بشكل غير مباشر من خلال التحالف الذي تقوده السعودية في حربها على اليمن، وهذا التلازم لا يتوقف عند تطابق التسميات لعملياتها الحربية، على سبيل المثال “عاصفة الصحراء” التي شنتها الولايات المتحدة على العراق عام 1990م -1991م، وتوأمها “عاصفة الحزم” 2015م –وكذلك عملية “استعادة الأمل” التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية على الصومال عام 1993م، وتوأمها الخليجي “استعادة الأمل” كامتداد لـ”عاصفة الحزم” ضد اليمن! وهو تلازم لا يقف عند التسميات والأهداف، بل والخطوات المتعلقة بتدمير المجتمعات زراعيا وإنتاجيا، لتتسع الحروب على أرضية عرقية وجهوية وطائفية. فكما حدث للصومال حين تم من خلال المعونات الاقتصادية أن دمر “اقتصاد الرحل” و”اقتصاد الحضر” أي اقتصاد الرعاة وصغار المزارعين، فقد دمرت الزراعة وانهار اقتصاد الماشية التجارية “وفي كل أنحاء أفريقيا تدمر ماشية الرحل والماشية التجارية على يد صندوق النقد الدولي –البنك الدولي، بنفس الطريقة التي دمرت بها الصومال تقريباً” ص104-المرجع السابق.

يبدو أن برنامج الإغاثة الغذائية بالحبوب والدقيق في اليمن، والتركيز على الأرياف، يهدف فيما يهدف إلى القضاء على زراعة الحبوب في القرى، فمع توافر الدقيق والقمح شهرياً كإغاثة، وارتفاع أسعار الأسمدة، وإهمال الثروة الحيوانية، فإن كل ذلك سيعزز البطالة، والاتكال على البرامج الإغاثية التي ستدمر الزراعة، واقتصاد الرعي في النتيجة النهائية، مما يقود اليمن إلى مجاعة وتضخم كبير وعجز اليمنيين عن استعادة دولتهم الوحدوية.

“تبين خبرة الصومال أن المجاعة في أواخر القرن العشرين ليست نتيجة “العجز في الأغذية” بالعكس أن ما يدفعها هو فائض عرض الحبوب الرئيسية. ومنذ بداية الثمانينات ألغيت القيود على أسواق الحبوب تحت إشراف البنك الدولي، ويستخدم فائض الحبوب الأمريكي بانتظام (كما حدث في الصومال) لتدمير الفلاحين، وزعزعة الزراعة الغذائية الوطنية. وتصبح هذه الأخيرة –في هذه الظروف– أكثر عرضة لتقلبات الجفاف وتدهور البيئة”، ص104-المرجع السابق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*المصدر: موقع الثورة نت؛ 13/ 5/ 2019.

قد يعجبك ايضا