عقبة نيوز
موقع إعلامي يمني جنوبي، يُعنى بمختلف شؤون الواقع المحلي الجنوبي بوجه خاص، والشأن العربي والدولي عامة.

من ذاكرة الجنوب.. ثلاثة مشاهد في أغنية

ما حد يلقي سقايه واهل بيته ضما

في الوقت الذي كان الجنوب يعيش حصارا اقتصاديا فرضته الرجعية السعودية وتوابعها من دول الخليج؛ فضلاً عن شبكات التجسس والعمليات التخريبية بنشر الألغام وتسميم آبار المياه والدفع بالمرتزقة عبر صحارى العبر وثمود…

كتب: محفوظ سالم ناصر

أيام ما كان الجنوب اليمني (المحتل حالياً) محكوماً من التنظيم السياسي الجبهة القومية ثم التنظيم السياسي الموحد الجبهة القومية وبعد ذلك الحزب الاشتراكي اليمني.. كان النظام (التقدمي) مهووساً متيماً بدعم ومساندة الثورات التحررية وحركات التحرر الوطني بالخطابات بالبيانات، لا باس محد قال شي؛ لكن الأمر تجاوز هذا في حال ما عرفت بـ(الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي) ثم في مرحلة لاحقة تواضع القوم واكتفوا بتحرير عمان..

ففي الوقت الذي كان الجنوب يعيش حصارا اقتصاديا فرضته الرجعية السعودية وتوابعها من دول الخليج؛ فضلاً عن شبكات التجسس والعمليات التخريبية بنشر الألغام وتسميم آبار المياه والدفع بالمرتزقة عبر صحارى العبر وثمود.. في هذه الظروف التي فرضت على الناس ان يعيشوا حياة مستورة ولا نقول ميسورة، كان النظام يغدق على الجبهة اياها. فتذكرة دخول ملعب كرة القدم يضاف عليها رسم مالي لصالح الجبهة، وهكذا الحال مع تذاكر دخول دور السينما. والعشور الجمركي. والمرتبات. وما أنتجت الزروع ودرت الضروع.

وقد كنت أشاهد كما يشاهد غيري من ساكني حينا في المكلا أكياس البر البلدي وعبوات التمور مرصوصة مكتظ بها حوش مقر مكتب الجبهة في حضرموت الكائن في حينا والذي كان يسكنه آخر وزير للسلطنة القعيطية السيد أحمد العطاس. كذلك كنا نشاهد قيادات وعناصر الجبهة في مقهى صنعاء الكائن قبالة المكتب وهم يتزيون بالفوط (الصواريم) والشمزان الممتازة ويصرفون ببذخ على طلباتهم وعزومة من يعرفونه في المقهي. وفي فترات لاحقة افتتحوا محال تجارية ثم شرعوا في الاقتران بحضرميات مكلاويات. وأعرف شخصيا أن مدير المكتب قد اقترن بزميلة اشتركت واياها في عدد من الأعمال المسرحية التي قدمتها مدرسة جيل الثورة بالمكلا والمركز الثقافي بحي العمال؛ فيما اقترن شقيقه بأخت لأرملة جارنا المرح تيسير يسر المحضار (أبو خديجة).

بعبارة أخرى، ما كنا نشاهده لا علاقة له بثورة ولا ثوار. هذا في وقت كنا معشر الجنوبيين بالكاد دخلنا يفي بمصاريفنا.

وقد دارت الأيام وحصلت المصالحة بين السلطان قابوس والجبهة وعاد من عاد إلى عمان منهم. وكان من بينهم، إن لم يكن على راسهم يوسف بن علوي بن عبدالله، الذي كان القائد العسكري للجبهة الشعبية لتحرير عمان؛ ويشغل حالياً منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية في السلطنة.

ولست أدري حتى الآن إن كان استقبال عمان للبيض عام 1994-وهو من كان يدير ملف الجبهة في المكتب السياسي للنظام الحاكم في الجنوب- من قبيل إنسانية السلطان أو تشفياً منه في البيض، أو رداً للجميل ووفاءً من يوسف بن علوي لما كان للبيض من أياد بيضاء سخية على الجبهة وقادتها أيام ثورتها؟

الأهم إزاء إغداق النظام على الجبهة كان لسان حال السواد الأعظم من المواطنين يلهج بالمثل الشعبي الحضرمي (يا مفرق المرق.. أهل بيتك أحق)، فيما يلهج آخرون (ما حد يلقي سقايه واهل بيته ضما). ومن القول الشعبي الأخير استوحى صديقنا الملحن الشاعر الغنائي التريمي محفوظ صالح با حشوان رحمة الله عليه كلمات أغنية عبر فيها عن الوجدان الجمعي الجنوبي، واستخدم ذلك القول الشعبي تخميسة، أو شلة، لأغنيته برموزها الغائمة الشفافة والتي كانت أغنية الموسم في تلك الفترة.

وعند الأغنية بقية الحكاية:

شربة ما وا حبايب.. شربة ما

كبدي تحترق من كثر الضما

شربة ما انا عطشان

حس قلبي الجريح تعبان

استحلفكم حبايب برب السما

ما حد يلقي سقايه واهل بيته ضما

***

ياما اشوف احواض مليانه

بعيني اشوف ولا باليد حيله

من حافة البير دليت عا الزانه

طلع دلوي مخسوف آبارهم طويله

حرام نذلح الما ونحنا ضمانين

ولاحد لعب مثلهم بالمحبين

استحلفكم حبايب برب السما

ما حد يلقي سقايه واهل بيته ضما

***

كم ما نزلنا على نبعة العين عليها يوردون

الا انا ما شربونا وبالعين

شفنا جميع البداوين من الما يعرفون

الا انا ما رثونا ما شربونا

يا ناس رحمه لذولا الضمانين

الحلق يابس وفي الجوف كيرين

استحلفكم حبايب برب السما

ما حد يلقي سقايه واهل بيته ضما.

 …

وللتناولة بقية في الغد إن كان لنا في العمر بقية.

قد يعجبك ايضا