عقبة نيوز
موقع إعلامي يمني جنوبي، يُعنى بمختلف شؤون الواقع المحلي الجنوبي بوجه خاص، والشأن العربي والدولي عامة.

برهان غليون في كتابه الجديد

لهذه الأسباب فشلت المعارضة

يحتاج المثقف-السياسي عادة جرأة استثنائية لكي يشرح خطأ تيارٍ سياسي أو فكري انتمى اليه، وهو صار يحتاج لجرأة مضاعفة اليوم في ظل وسائل التواصل الاجتماعي التي يسارع فيها الشتّامون الى صدارة الرد حتى قبل القراءة بدلا من التفكير والتعليق

سامي كليب:

يحتاج المثقف-السياسي عادة جرأة استثنائية لكي يشرح خطأ تيارٍ سياسي أو فكري انتمى اليه، وهو صار يحتاج لجرأة مضاعفة اليوم في ظل وسائل التواصل الاجتماعي التي يسارع فيها الشتّامون الى صدارة الرد حتى قبل القراءة بدلا من التفكير والتعليق، فينزلق النقاش الى أتون المهاترات والفتن وانعدام الأخلاق.

كنتُ شخصيا أنتظر ما سيكتب د. برهان غليون عما حصل في سوريا منذ العام ٢٠١١. فالرجل الذي يتربع على عدد من الكتب الفكرية المهمة منذ سبعينيات القرن الماضي، انخرط حتى النخاع في الحرب السورية. قاد أول مجالس المعارضة، وصار المحاور الأول للقوى العالمية من على رأس المجلس الوطني، أي أنه مسؤول مباشر عن جزء كبير مما آلت اليه أوضاع المعارضة وسورية، وشريك في الكارثة الإنسانية والعمرانية والمجتمعية التي حلّت بهذا البلد العريق.

أكاد أقول إني فوجئت بمؤلفه الجديد الحامل عنوان “عَطَب الذّات، وقائع ثورة لم تكتمل، سورية ٢٠١١-٢٠١٢”. صحيح أن الكتاب لا يستند في مراجِعه سوى الى الكتب المناهضة لقيادة الرئيس بشار الأسد، ولم يستشهد بأي مرجع آخر، لكن الصحيح أيضا أن الرواية التي يقدمها د. برهان غليون عما حصل على مدى ثماني سنوات من تفاصيل اجتماعات المعارضة وعلاقتها بالخارج واتصالاتها بالقوى الإقليمية والعالمية، إضافة الى ما سبقها من ظهور لمنتديات وتحركات المعارضة في الداخل، وعن تاريخه الشخصي في العمل السياسي وفي العلاقة الصعبة والفظة مع الأمن السوري جديرة بالقراءة المتأنية دون أحكام مسبقة . فهذا الكتاب، سيصبح مرجعا مُهما لفهم كثير مما حصل من وجهة نظر المعارضة ومن داخل صفوفها، ولمعرفة الأسباب الحقيقة لفشل هذه المعارضة وتفككها وغرقها في أتون التدخلات الخارجية وفقدانها شرعيتها.

المُشكلة الأولى يراها غليون تكمن في الشعب الذي “جُرّد من هويته السياسية، وعُقم سياسيا ومدنيا منذ قرون، وحُرم من أي شكل من أشكال التنظيم الذاتي، واستُعمرت مؤسساته المدنية والسياسية والاقتصادية… لهذا لم تنجح المعارضة التي لم تختبر في أي يوم معنى العمل الجماعي المنظم.. في أن تتجاوز انقساماتها ونمط السلوك والعمل الذي اعتادت عليه وان تبدع نموذجا للممارسة الوطنية والديمقراطية من فراغ” فاذا بنا أمام:” زعامات صغيرة بطموحات وأطماع كبيرة، كلٌّ يرى نفسه ممثلا للشعب، وقائد لمسيرة تاريخية، لكن من دون وعي بالمسؤوليات والالتزامات والمهام المطلوبة لتنظيم القوى والجهد.

والمشكلة الثانية تكمن في “نخبة الأحزاب السياسية، التي تحولت الى هياكل هرمة متكورة على نفسها”.

فالمعارضة السورية في الداخل أصبحت منذ رحيل جمال الأتاسي ضحية صراع رياض الترك وحسن عبدالعظيم و”تعارض شخصيتيهما وكراهيتهما المتبادلة”. وهكذا، يضيف غليون:”وجدت نفسي والمجلس الوطني الذي ساهمت في إنشائه في وضع لا يُحسد أحد عليه، فالقوة الفكرية والسياسية الرئيسة التي كنت أراهن عليها لقيادة العمل المعارض وتحريك المجلس وتفعيله لم تكتف بالبقاء خارجه أو على هامشه فحسب، وإنما أيضاً تحولت الى قوة الهدم الرئيسية له”.

وهنا يعترف غليون بأن “الدخول في الحرب، بغياب قيادة سياسية شرعية وواعية، قوّض وحدة مؤسسات الثورة والمعارضة، وانتهى الأمر بتشتيت قوة الثورة وتضاربها وتنازعها على الأبوة والريادة والسيطرة”.

المشكلة الثالثة نجمت عن “خطأ المعارضة، بجميع توجهاتها، السلمية والعسكرية والتدخلية، عن الاعتقاد بوجود مجتمع دولي “داعم، وإذا بالدول الغربية تخذل المعارضة بحيث أن ما أملى عليها سياستها المترددة والمتخاذلة وحولها إلى تواطؤ لا يغتفر مع الجريمة هو تخليها عن التزاماتها الطبيعية في إطار النظام الدولي وانكفاؤها على مصالحها الخاصة”، لا بل أن برهان غليون يذهب إلى حد اتهام الرئيس الأميركي باراك أوباما بالتباس الموقف الذي ” كان له مساهمة كبيرة في دفع الأوضاع السورية الى الكارثة”.

يشرح غليون أن: “المناخ العام في الأوساط السياسية الأميركية كان قد تغير بشكل واضح منذ العام ٢٠١٤ لغير مصلحة القضية السورية، بعد أن ساد اعتقاد متنام بأن القوى الديمقراطية قد فقدت موقعها المتقدم في الثورة لمصلحة تنظيمات إسلامية أو اثنية ليس لها الأهداف ذاتها وليس من المؤكد انها قادرة على أن تكون بديلا موحدا عن النظام القائم”.

وهو إذ يستثني فرنسا وألمانيا من النقد القاسي، فإنه يعتبر أن موقف أوروبا كان: “مُحزنا على الصعيد الجيوستراتيجي حيال مصير مجموعة الاتصال الى أطلق عليها اسم “أصدقاء سورية” بحيث عكست أزمة السياسة الخارجية الأوروبية بما كانت تظهره من حماسة استعراضية ومن عجز وانعدام حيلة في الوقت نفسه”.

يبدو الموقف الصيني أقل تشدداً من الروسي حيال المعارضة في كتاب برهان غليون حتى يكاد يقول “إن استخدام الصين لحق النقض في مجلس الأمن كان على سبيل التضامن مع روسيا أكثر مما كان خيارا سياسيا عن اقتناع”.

أما روسيا، من خلال ما يكشفه غليون من لقاءاته مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، فإنها كانت مبدئية في موقفها من سورية من منطلق الصراع مع الغرب، ويروي أنه في خلال لقائه لافروف بدعوة منه في ١٥ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١١ كان خطاب الوزير الروسي “عنيفا وقاسيا يستهدف مباشرة القضية التي أتينا للدفاع عنها” وركز حديثه على الهجوم على الغرب.

يقول غليون: “وبالغتُ كي أغير مناخ الحديث السلبي( مع لافروف)، فقلت: تأكدوا معالي الوزير نحن لن نتخلى عنكم حتى لو تخليتم عنا، لأننا لا نريد أن نسقط في دائرة التبعية الأحادية للغرب”. ويضيف: “لا أعتقد أنه كان خادعا عندما رمى بعروضي جميعا عرض الحائط قائلا: ليس لقاعدة طرطوس أي قيمة عسكرية، إنها مجرد محطة لتزويد السفن الروسية بالخدمات وأن روسيا لا تبحث في موقفها عن مكاسب في سورية، وأن الأسد لم يكن حليف روسيا وإنما كان حليف الغرب ولم يقم بزيارة إلى روسيا سوى بعد خمس سنوات من استلامه منصب الرئاسة وأن ما يهم موسكو في هذا الموضوع ليس الأسد إنما الحفاظ على حقوق الشعب السوري والحيلولة دون أي تدخل غربي في سورية”.

المشكلة الرابعة تمحورت حول دور تركيا في ما يتعلق بالمسألة السورية عموما، فالكاتب يقول: “لا شك أن الأتراك اخطؤوا كثيرا في تقديراتهم للموقف السياسي، وخياراتهم الاستراتيجية أيضا، مثل الكثير من القوى التي ادعت صداقة الشعب السوري.. وكانت أهم هذه الأخطاء اعتقادهم بأن نظام الأسد لن يستطيع أن يقاوم طويلا واستهانتهم بمخاطر التعامل مع القوى الجهادية الذي لا يختلف عمن يشارك الأفعى فراشه”.

وهكذا فبالنسبة لغليون: “لم تحظ الثورة السورية ولا ثورات الربيع العربي التي كان من المتوقع أن تكون موجة رابعة من موجات تعميم الديمقراطية العالمية، لا بدعم خارجي فعال ولا بتضامن عالمي ولا بتعاطف مع الضحاياا”.

وإذ يتجنب برهان غليون المفاضلة بين الإخوان المسلمين والقوى المدنية والعلمانية السورية ويشرح أكاديمياً وجهة نظر كل منهم وأخطاءه، ينتقل إلى المشكلة الخامسة التي تكمن في أن “داعش والنصرة، وفصائل أخرى أقل أهمية لها أجندات مشابهة، كانت من بين جميع القوى والتيارات الإسلامية التي صادرت الانتفاضة الشعبية وغيرت مسارها، الأكثر تقويضا لفكر الثورة وفتكا بها”.

يخلص برهان غليون، وبجرأة لافتة إلى القول: “لم تفتقد الانتفاضة لقيادة موحدة وذات قدر كبير من الشعور بالمسؤولية والالتزام بالقضية الأساسية فحسب، لكنها أثارت على هامشها، وهو ما لم يكن متوقعاً حتى بالنسبة إليَّ، معركة داخل المعارضة السورية الضعيفة والمتهافتة لحسم الصراع المزمن بين شخصياتها القيادية وتكتلاتها الرئيسية”.

سيثير هذا الكتاب بلا شك جدلا كبيرا وعاصفة من الانتقادات من قبل المعارضة المشتتة، وقد يفيد القيادة السورية في القول بأن المعارضة تعترف بأخطائها، وثمة من سيقول لغليون إنك انت أحد أسباب هذه الأخطاء القاتلة وكان عليك أن تراها حين كنت في قلب الحرب لا الآن، لكن الكاتب يريد من خلال مؤلفه الجريء وكما يقول في ختامه: “أن نتعلم كيف نتعلم من أخطائنا” وهو يأمل بأن يكون ما فعله مع رفاقه قد أسس لمرحلة مقبلة ما عاد فيها مكان للخوف.

لعل الجميع بحاجة الى قراءة نقدية جريئة لما حصل على مدى عقود إذا ما أردنا أن نحلم بسورية جديدة ونتجنب المنزلقات الخطيرة التي رسمت فخاخا قاتلة من خلال الثغرات التي تسلل عبرها التدخل الخارجي وكاد يقتل الجميع.

 

*نقلاً عن صفحة الكاتب على فيسبوك.

قد يعجبك ايضا