عقبة نيوز
موقع إعلامي يمني جنوبي، يُعنى بمختلف شؤون الواقع المحلي الجنوبي بوجه خاص، والشأن العربي والدولي عامة.

الوباء وما بعد أمريكا..!

بقلم/ د.عمر محمود بنجلون

المثل الصيني يقول بأن “الذبابة هي من تُحْرِم الدب من نومه”. الحكمة أتت من “إمبراطورية الوسط” لتنطبق على الصراع القائم فيما بين الإنسانية و فيروس كورونا المستجد. الجائحة كشفت الطريق المسدود للرأسمالية والهزيمة الأخلاقية للغرب من خلال أمثلة متعددة كالتخلي عن الشعب الأمريكي وإيطاليا، أو العودة إلى القرصنة من خلال تحويل المعدات الآتية من الشرق بالقوة، أو إفلاس المنظومة الصحية التي انتقلت من القيمة الكونية الى السهم المالي.

هذه الأحداث تنم عن إفلاس حضارة قد تَحْتَمِلُ التفكك في واجهتين، الأوروبية بعد خروج بريطانيا والأمريكية بعد قابلية دول من الولايات المتحدة على فك الإرتباط مع الضريبة المركزية المحتجزة لدى المركب الصناعي العسكري.
هذا الحال يذكرنا بالظروف التي مهدت لانهيار الإتحاد السوفياتي سنة 1991م، يلعب فيه الرئيس دونالد ترامب دوراً لدى ورثة المعسكر الشرقي كالدور الذي لعبه ميخائيل غورباتشوف لدى أمريكا آنذاك.

بعد إنهيار الإتحاد قامت العقوبات الدولية والنظريات المبهمة، ك “نهاية التاريخ” و “حرب الحضارات” و “النيوليبيرالية”، بخلط أيديولوجي من أجل إضعاف الفكر الاشتراكي والإشادة بالهيمنة القائمة والنيوكولونيالية المفروضة على دول وشعوب الجنوب.

في نفس الوقت انساق”الشرق” إلى عقيدة السِلم و تجاوز الهزات الممنهجة من أجل الإبقاء على أمل انبعاث الاشتراكية، دون قواعد عسكرية تتربص على حدود الدول ولا تدخل في شؤونها الداخلية، ما مكّن الصين وكوبا وروسيا من تقديم قطاع طبي جاهز لخدمة البشرية في محاربتها للوباء.

هذا الموقف الرائد يبرز إنهيار أسطورة القوة الأمريكية الغارقة في الأنانية، خاصة بعد تفشي الكوفيد 19 الذي تسبب لها في أزيد من 30 مليون عاطل، وأكثر من 50 ألف قتيل تجاوز ضحاياها في حروب الفيتنام والعراق، وإفلاس قطاع النفط الذي “يسائلنا” عن إتفاق سعودي-روسي محتمل.

أمام عجزها على التحدي السياسي والمادي والأخلاقي لمحاربة الجائحة، تقدمت أمريكا بشكاية ضد الصين لمنظمة الصحة العالمية في عز الأزمة وفي خطوة فريدة من نوعها في الأعراف الديبلوماسية، بدعوى “التأثير الدولي للعمل الإنساني الصيني”، في حين أنها علقت واجباتها المالية تجاه المؤسسة الأممية في الوقت الذي رفعت فيه الصين تمويلاتها إلى 35 مليون دولار.

فواقع الحال ينضاف إلى الحروب المباشرة والغير المباشرة التي راكمتها أمريكا خلال 70 سنة من الدعاية الحربية، ليجعل السلطة المعنوية الأممية ترتحل من الغرب إلى القوى الدولية الجديدة لبناء العالم ال”ما بعد-أمريكي”. فبالرغم من النكوص الذي عاشته الأقطار الاشتراكية في نهاية القرن العشرين، يعتبر عملها الهائل في هذه المرحلة الحاسمة راجع أساساً لسياساتها الإدارية الطويلة الأمد فيما يخص “الرأسمال البشري” وإخضاع السوق للصالح العام، عبر مؤسسات سيادية جعلت من الصحة والتعليم أولى الأولويات داخل تخطيط محكم التجأت إليه الإنسانية لَمّا اقتربت من حتمية الانقراض.

إذا سقط جدار برلين فلا زال سور الصين العظيم شامخاً، يعلن عن بديل للعولمة ويؤثر في العالم الثالث والقارة الأفريقية التي خضعت لتحقير الإمبريالية منذ قرون. فلقد إستمرت الامبراطوريات في الإستغلال المؤدلج لأفريقيا رغم استقلالها منذ عشرات السنين، باستعمال الديون كأداة لتبعيتها، حيث كان أغلبية الزعماء الأفارقة يرددون المقولة الشهيرة “الإستعمار لم يَخرُج الإ ليعود أقوى مما كان”.

هناك اليوم مواقف سياسية قريبة من هذه القناعة السائدة في الرأي العام ذات الميول المناهظ لما يعرف ب “الإستعمار الجديد”، حيث “الديون مقابل التقويم الهيكلي” ودوامة الإستغلال وإيداع العملة لدى البنوك المركزية الإستعمارية أضحى محط إنتقاد ومراجعة. كذلك عودة روسيا الى إفريقيا بعدما تنازلت عملياً عن دين يُقدّر ب 100 مليار دولار من الإعانات لشعوب إفريقيا أثناء الحرب الباردة، أو التعاون الصيني الإفريقي من خلال منتدى focac وطريق الحرير، أو بروز قوى داخلية كجنوب إفريقيا وإثيوبيا والمغرب، كلها عوامل تؤكد على إرادة جدية للقطيعة مع الماضي الإستعماري.

برزت كذلك خطوات أخرى على غرار تخلي دول غرب أفريقيا عن المجال النقدي CFA التابع لفرنسا وتأسيس عملة افريقية موحدة ECO ابتداءً من يوليو 2020، أو إسترجاع المغرب لموقعه داخل الإتحاد الأفريقي بعد غياب دام 30 سنة، أو إرتفاع الخطابات المناهضة للقوى الإستعمارية كتلك التي بلغ صيتها من المؤتمر الإفريقي- الروسي بمدينة سوتشي سنة 2019، أو طرح “إلغاء الديون” على لسان القادة الأفارقة لدرجة المطالبة بها من قبل مسؤولين أوروبيين.

الهدف في إعتراف أوروبا بضرورة إعفاء القارة السمراء من الدين، ليس مؤشر على إحترام فلسفة “العدالة الخيرية” أكثر من ما هو تدارس سبل التخفيف عن القدرة الشرائية الأفريقية، لتمكينها من إستيعاب العرض الأوروبي الخاضع لمنافسة أمريكية-صينية ومحاولة الحد من ذهاب “المستعمرات الأفريقية” إلى القبلة الصينية.

إفريقيا تطالب اليوم بعدالة تكافئية تُوَفِّرَ الإمكانات من أجل تطوير إنتاجيتها واكتفاءها الذاتي بكسر الحلقة المفرغة التي تضع المعدل التنموي تحت سقف الفوائد المالية بصفة دائمة، وتحويل التكنولوجيا مع إعادة استثمار أرباح الشركات الأجنبية مقابل باطن الأرض واليد العاملة، والتحرر من التبعية فيما يخص أسعار المواد الأولية مع التخلص من موقعها الأبدي كمصدرة للخام ومستوردة للمواد المصنعة والخدماتية، وبلورة مرافق عمومية خارجة عن إطار الرأسمالية التي تخلط بين الرعاية والصحة كما بين النمو والتنمية. إفريقيا و هي الأقل تضرراً من وباء كورونا مقارنة بالقارات الأخرى، في حين أنها كانت في الأمس القريب مختبراً تجريبياً لأوبئة إيبولا والأيدز والمالاريا، ترفض اليوم تجارب التلقيح الأجنبية ضد الفيروس المستجد كتعبير عن استقلاليتها بعد اختبارها لشراكات جديدة مع قوى بديلة لا ترقص على جروح الإستعمار بل وتقاسمت معها النضالات التاريخية ضد الإحتلال والتخلف.

العولمة تعيش اليوم على إيقاع محاكمة دولية تَتّهِم الرأسمالية والغرب، يتوجه من خلالها الوعي الجماعي إلى الصين كأول قوة إقتصادية عالمية وتعود فيها روسيا إلى طليعة القوى العسكرية وتنهض الضحية الإفريقية بتنميتها بعيداً عن المرجع الغربي وخاصة الأمريكي المرتكِز على “الردع الافتراضي” كآلية وحيدة للتفوق الإقتصادي والمالي. أكثر من مجرد تحول في العادات الاستهلاكية العالمية أو هاجس بيئي يطغى على النقاش العام، سيكرس هذا الوباء قواعد المشروعية السياسية للدول على أسس المرجعية القيمية والفعل الأخلاقي نظراً لتطابقهما مع الأهداف الكونية للإنسانية كالحق في الحياة. هذه الأزمة الصحية الشبيهة بالحرب العالمية جعلت الشك ينتقل من معسكر لآخر، ومكنت الضمير العالمي من أن يساوي أخيراً بين المثالية والواقعية.

1- “علينا أخذ الإحتياط من التأثير الغير الشرعي للمركب الصناعي العسكري. خطر السلطة المستلبة قائم وسيظل”، الرئيس دوايت ايزنهاور سنة 1961م
2- رسالة من الكونغريس الأمريكي إلى منظمة الصحة العالمية بتاريخ 09 أبريل 2020م

نقلا عن صحيفة رأي اليوم

د.عمر محمود بنجلون

 

قد يعجبك ايضا