عقبة نيوز
موقع إعلامي يمني جنوبي، يُعنى بمختلف شؤون الواقع المحلي الجنوبي بوجه خاص، والشأن العربي والدولي عامة.

على هامش الهجوم الكاسح لفيروس «كورونا»على أوروبا.. متى ينهار الإتحاد الأوروبي..؟

بقلم/ فتحي خطاب

التساؤل الذي فرض نفسه على هامش الهجوم الكاسح لفيروس «كورونا»على أوروبا: متى ينهار الإتحاد الأوروبي؟ وهل ينجو النموذج الإقتصادي للإتحاد الأوروبي من وباء «كوفيدـ 19»؟!

بعد أن إلتزمت الدول الأوروبية بما يشبه «الإبتعاد الإجباري» عن دول الإتحاد، وأغلقت الحدود لأول مرة في وجه شرعية إتفاقية «شينجن» لفتح الحدود بين الدول الأعضاء في الإتحاد، لتواجه إيطاليا وإسبانيا ـ على سبيل المثال ـ حالة من العجز والاحتياج في مواجهة فيروس كورونا الذي توطن وبلغ ضحاياه عشرات الآلاف من المصابين والموتى، لولا مبادرة المساعدة العاجلة من روسيا والصين للتخفيف من نكبة إيطاليا وإسبانيا، بينما الإتحاد الأوروبي لم يتحرك وبقي في حالة من الإنكماش و«الإبتعاد الإجباري».. ونفس المعاناة طالت دولاً أوروبية أخرى ـ على إنفراد ـ منها بريطانيا وفرنسا وألمانيا ، مع غياب التنسيق والدعم المتبادل بين دول الإتحاد الأوروبي..!

مؤشرات الإنهيار..!

ومؤشرات إنهيار الإتحاد الأوروبي، لا تتوقف عند إغلاق الحدود منعاً لتفشي وباء فيروس «كوفيد ـ 19»، فهذا أمر مؤقت سوف يزول مع مرور الوقت.. ولا يتوقف أيضاً عند حالة كانت أشبه بالهروب والإبتعاد عن دول الجوار الأوروبي دون تقديم سبل المساعدة والدعم، خشية تفشي وباء كورونا .. ودون إعلان حالة طوارئ جماعية في دول الإتحاد بالتنسيق مع المنظومة الصحية والأمنية التابعة للإتحاد الأوروبي..

كل هذه المؤشرات ترتبط كذلك بالتداعيات الإقتصادية للحجر الصحي، وهي تداعيات كارثية. وكما يبدو الوضع حتى الآن، أن تلك الصدمة يمكن أن تكون القشة الأخيرة التي تقصم ظهر العولمة الإقتصادية الهشة، المبنية على 250 تريليون من الدين العالمي، بحسب تقديرات المحلل السياسي الروسي، ألكسندر نازاروف، ولن تكون هناك فرصة لسداده. أي أنه بنهاية وباء فيروس كورونا، لن تنتهي الأزمة الإقتصادية، بل سترتفع معدلات الإنكماش الإقتصادي، الذي إعترف بحتميته الغرب، والذي سيؤدي إلى خفض كبير في أعداد الوظائف بجميع أنحاء أوروبا، سواء في الدول الغنية أو الفقيرة من الإتحاد على حد سواء.

ويرى «نازاروف»: أن التهديد الأساسي لوجود الإتحاد الأوروبي يأتي من أولئك الذين أسسوه في البداية. فليست اليونان، أو أوروبا الشرقية من يهددون بقاء الإتحاد، وإنما أكثر الدول نجاحاً واستقراراً، مثل مجموعة البنلوكس (بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ) وألمانيا، والتي يمكن أن توقف نشاط أي من أو كل المؤسسات الأوروبية، أو أن تخرج منها في ظل ظروف معينة، إذا ما قضت المصلحة القومية لهذه البلدان بذلك.

وضع الجدران “الإفتراضية والواقعية” على الحدود..!

إن حرية الحركة، وسوق العمل المشتركة، كانت هي المنحة الأكبر والأهم التي يمنحها الإتحاد الأوروبي لمواطنيه العاديين، وخاصة في الدول الأعضاء الأقل تطوراً في الإتحاد الأوروبي. وفي عصر النمو الإقتصادي، كان تيار اليد العاملة الشابة المتدفقة من الأطراف الفقيرة لأوروبا نحو أوروبا الأساسية، التي تخطو نحو الشيخوخة، مفيداً للجميع. لكن تلك الميزة تحولت إلى عيب مع إندلاع الأزمة الأولى. وسبب تدفق اللاجئين السوريين هزة عنيفة لأساس أيديولوجية الإتحاد الأوروبي، وجاء إلى السلطة أو تسبب في نشوء تيارات يمينية، كثيراً ما تعارض عضوية الإتحاد الأوروبي. ثم بدأت الدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي وضع الجدران “الإفتراضية والواقعية” على الحدود بين بعضها البعض. وقامت إحدى الدول الأعضاء، بريطانيا، بالخروج من الإتحاد بسبب هذه الأزمة بشكل كبير.

لقد توقف الإتحاد الأوروبي عن منح تأشيرات العمل إلى مواطني مولدافيا وأوكرانيا، قبل إندلاع أزمة وباء فيروس كوفيد-19، وبعد ظهور أزمة المهاجرين السوريين، ليدفن الإتحاد بذلك خططه للتمدد نحو الشرق. الآن سوف يكون الخيار أمام الحكومات في الدول «المؤسسة» للإتحاد الأوروبي بين فقدان السلطة في الإنتخابات القادمة وإغلاق أسواق العمل حتى أمام الجيران في الإتحاد الأوروبي، وبالتالي سيصبح الحد من الهجرة داخل الإتحاد الأوروبي أمراً لا مفر منه.

هل يمكن تأجيل إنهيار النموذج الإقتصادي للإتحاد الأوروبي..!

كانت الدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي تحصل من عضويتها في الإتحاد على منافع مختلفة، فكانت ألمانيا، و«الشمال الصناعي» تحصل على أسواق أوسع لتوزيع بضائعها في الجنوب والشرق، وتدمر في طريقها الصناعات في الدول الضعيفة من أعضاء الإتحاد، بينما تحصل من الأخيرة على تدفق الأيدي العاملة الشابة. في المقابل تحصل الدول الضعيفة على قروض ضخمة، ما سمح لها لبعض الوقت من رفع مستوى معيشة مواطنيها بشكل مؤقت، وخلق وهم بالنمو بسبب الإنضمام للإتحاد الأوروبي.

لكن تلك القروض، بطبيعة الحال وكما يحدث دائماً، تنتهي، ونحن نذكر جيداً أزمات الديون لمجموعة PIIGS التي تضم البرتغال وإيطاليا وإيرلندا واليونان وإسبانيا أعوام 2010-2012، حينما أثبت النموذج الاقتصادي للاتحاد الأوروبي عدم قدرته على الاستمرار للمرة الأولى. كان حل أزمة مجموعة PIIGS هو ضخ قروض جديدة وتأجيل انهيار النموذج الاقتصادي للاتحاد الأوروبي حينها، لكن ذلك أدى إلى تعقيد إمكانية الخروج من الأزمة الاقتصادية الراهنة. والآن سوف تتخذ سلطات الاتحاد الأوروبي القرارات المفيدة للأغلبية الفقيرة من الدول الأعضاء على المدى القصير، لكنها سوف تكون قاتلة بالنسبة لليورو، وبالتالي لجميع الدول الأعضاء في الاتحاد.

في الإتحاد الأوروبي تمتلك البلدان الفقيرة غالبية الأصوات داخل الإتحاد. لذلك فإن القرارات التي يتم إتخاذها كثيراً ما لا تناسب الدول التي تمثل «النواة» الإقتصادية للإتحاد الأوروبي، ويصبح الحل الوحيد أمام ألمانيا وغيرها هو مغادرة الإتحاد الأوروبي.

فشل الأساس الأيديولوجي للإتحاد الأوروبي
ويقول مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، جون بولتون، إن «ديمقراطية» الإتحاد الأوروبي هي عندما تجبر الفلاحين على التصويت عدة مرات حتى يصوتوا بصورة «سليمة». لكن هذا المبدأ لم ينجح سوى في زمن الازدهار والنمو، وقبل أن تدفع الأزمة بعد إلى تفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والتطرف السياسي.. اليوم، أصبحت الكتلة الحرجة من مواطني الدول الأوروبية، ممن تزعجهم عضوية بلادهم في الاتحاد الأوروبي، كبيرة وأكثر راديكالية بكثير، وسوف تؤدي أي محاولات من النخب السياسية تجاهل إرادة الناخبين إلى أزمة سياسية داخلية طاحنة، كما رأينا في مثال البريكست.

ويؤكد المحلل السياسي «نازاروف»: إن الأساس الأيديولوجي للإتحاد الأوروبي يقوم على الازدهار الإقتصادي، بعيداً عن شعارات الحرية والديمقراطية وغيرها، إنه الازدهار الإقتصادي وحده. يريد الجميع أن يعيشوا كما يعيش الألمان، وذلك مقابل الحرية والسيادة وكل شيء. وبفقدان الازدهار الإقتصادي، ينتهي المشروع الطوباوي المسمى بالإتحاد الأوروبي، والذي قام على التمدد الإقتصادي لألمانيا، مع تعويض مؤقت لخسائر الدول الفقيرة في الإتحاد. سوف يستغرق الإنهيار وقتاً بالطبع، لكن هذا النموذج يحتضر، وأتوقع أنه في ظل الأزمة الإقتصادية العالمية الطاحنة التي تعصف بالعالم الآن، سوف تصدر شهادة الوفاة لهذا الإتحاد رسمياً.

 

قد يعجبك ايضا