عقبة نيوز
موقع إعلامي يمني جنوبي، يُعنى بمختلف شؤون الواقع المحلي الجنوبي بوجه خاص، والشأن العربي والدولي عامة.

الوحدة اليمنية، ومسارها، في شعر الحضارم

د. أحمد با حارثة

تراجع ذلك الاستبشار، وانحسرت تلك الآمال؛ بسبب عدم تحقق الرخاء المأمول، فضلاً عما كشف عنه المنتصرون من التمايز بين مواطني دولة الوحدة، حتى شعر المواطن في الجنوب وحضرموت بحالة من الاغتراب النفسي في الانتماء الوطني نحو اليمن…

استبشر مواطنو حضرموت بقيام دولة الوحدة؛ إذ كان ساستها يبشرون بها وبخيراتها في كل شعاراتهم، وعكس بعض الشعراء ذلك الفرح في أشعارهم، ومن بينهم الشاعر سالم زين باحميد (ت 2013) الذي رأى فيها عملًا قوميًا يباهي به سائر العرب، ورأى فيها قوة لليمن واستعادة لمجدها الغابر، وأنها تمثل خلاصًا من حالة الشقاق التي كانت تعاود نظاميه السياسيين في التشطير. فقال:

لم نعد سُذَّجًا نعيش انفعالا  مزقتنا الأهـــــــواءُ في كل شطرِ

اليمانيُّ عـاد يا عربُ اليو  مَ يخُــطُّ الأمجــــاد في كل سطرِ

ومثله الشاعر سالم عبدالعزيز (ت 2005) الذي عبر عن ذلك الفرح ممزوجًا بآمال (مفترضة) مبنية على تلك الوحدة. يقول:

توحـــــــدت البلاد فعاد بِشْـــــرٌ يعيدُ الْبِشــرَ للوجــــــــــهِ الحزينِ

غدُ اليمنِ السعيد غدا ســــــعيدًا يزُفُّ بشــــــــــــائرَ البلــدِ الأمينِ

وفي ظل دولة الوحدة انحسرت قيود الرفاق عن ما صار يعرف بعد الوحدة بالمحافظات الجنوبية والشرقية، وقد تأكد هذا الانحسار بعد خسارتهم لحرب صيف 94 التي حاولوا من خلالها إعادة نظامهم وبسط نفوذهم على تلك المحافظات، وفي هذا يقول الشاعر محمد عوض باوزير (ت 2005):

فأين الشيـــــــــوعيونَ أين نظامهم وقد ملأ الدنيا هتافًا وإعجابا

تقوَّض هذا الصـرح بالقوة التي أقيم بها وانهدَّ رأســــاً وأعقابا

لكن لم يمض من الزمن إلا سنوات قليلة حتى دخلت البلاد في جو كئيب من الأزمات السياسية بين طرفي حكامها، انتهت بحرب ضروس حاول فيها الرفاق العودة إلى دولتهم السابقة في وقت لم تلتئم فيه جراح النفوس من سابق مساويها وإخفاقاتها، وفي وقت ما زالت في النفوس تواقة لمستقبل يرونه سيكون أفضل وأجمل. وفي التعبير عن تلك الحالة يقول الشاعر عمر عبد الرحمن السقاف (ت 2014):

كلما أطفــــــــــــــأ الميـــــــامين نارًا أشعل المجرمون بالغـدر نارا

والجماهير درعها الصــــبر والإيــ ــمان ترجـــو من الإلهِ انتصارا

لن يضـــــــــرَّ الخداعُ وحدةَ شعبي رغم أنفِ المخادعينَ الأسـارى

وانتهت الحرب بفشل محاولة الانفصال وانتصار قوى الوحدة المكونة من عناصر جنوبية وشمالية على السواء، ويعبر الشاعر محمد باوزير عن فرحته بذلك النصر بقوله:

الحمد لله بعد الحرب في اليمنِ… تم انتصــــــــــارك في شهرين يا وطني

بوحــدة لا انفصــال بعدها أبدًا… من حضرمــــوت، إلى صنعا، إلى عدنِ

ثم ساد الاستبشار وانتعشت الآمال لدى الكثيرين من مواطني حضرموت بعد انتهاء الحرب وتثبيت الوحدة، يقول الشاعر عمر السقاف:

خلقنا اليومَ خلقًا من جديدِ  بفعل النصر لليمـنِ السعيدِ

وآن بأن نراجـــع كل أمرٍ بعزم وحـــــدوي من جديدِ

وأن ننشي لوحــــدتنا عقولا من التقليد تنقذ، والجمـودِ

وأن نبني لوحـــــدتنا بناءً سليمًا تنمـــــــويًا بالصمودِ

ببذلٍ مســــــــتمرٍ واجتهادٍ وأن ندعَ التزلُّفَ بالوعودِ

وألا نترك الأيـــــــام تمضي علينا دونما عمـلٍ مجيدِ

لكن تراجع ذلك الاستبشار، وانحسرت تلك الآمال؛ ليحل محلها خيبة التوقع؛ بسبب عدم تحقق الرخاء المأمول، فضلاً عما كشف عنه المنتصرون من التمايز بين مواطني دولة الوحدة، حتى شعر المواطن في الجنوب وحضرموت بحالة من الاغتراب النفسي في الانتماء الوطني نحو اليمن الذي فرض بنموذجه الشمالي وضيقت هويته إلى هوية جهوية شمألية. ويعبر الشاعر محمد باوزير بإشفاق من تلك الحالة حيث يقول:

قلبي على بلـــــــــــــــــدي وأهـ ــــلي في الشمالِ أو الجنوبِ

من وحدةٍ تمــــــــــــــت ولـــــــ ــــكن دون توحــــــيدِ القلوبِ

بعد التبـــــــــــــاعد والتبـــــــــا غُضِ والتمادي في الحروبِ

وكأنـــــــنا في أرضـــــــــــــــنا لســــــــنا من اليمن الحبيبِ

أو لا نمــــــــتُّ لأصــــــــــــــلهِ لا من بعيــــدٍ أو قريــــــــبِ

وبدوره يعبر الشاعر خالد عبد العزيز عن تحول ذلك الاستبشار إلى الصدمة والخيبة لدى المواطن الحضرمي في غلاف من الرمزية الشعرية؛ حيث قال: اليـــوم أكملت بيتي فاشهدوا فرحي يا معشر الناس عادت وحدة اليمن ثم قال واصفًا خيبة الأمل:

قد كان ما كان لكـــــن ما يؤرقـــني ما لم يكُــنْ؛ ليت شعري كيف لم يـكُـنِ

يا حـــادي العيس إن العيس ظامئةٌ  والماء أقـــــــــــرب من ثوب إلى بدنِ

فالفرض أديته في حقنا ســــــــلفًا وليس بعد أداء الفــــــرض كالسُّــــــــننِ

وهو هنا يخاطب رئيس دولة الوحدة رامزًا له بـ(حادي العيس)، مشيرًا لحاجات المواطنين وترقبهم لتحقيق طموحاتهم، بعد تحقيق تثبيت الوحدة (الفرض)، بعد تجاوزها حرب 1994 (اليم) ووصولها (لبر) الأمان من الأزمات السياسية وشبح الانفصال، ولم يبق غير العمل على تبني رغبات الشعب في التنمية والرخاء الذي رمز لها الشاعر بـ(السنن)، لكنه وجد عكس ذلك، فضلا عن ما شعر به من فقدان المواطنة المتساوية في دولة الوحدة. وفي ذلك يقول الدكتور عبد الله حسين البار:

“هنا تتجاوز المقابلة حدها اللفظي؛ لتوغل في المفارقة من حيث اصطدام بهجة المتأمل بالوحدة بجدار التمايز الاجتماعي، وتلاشي النعيم المأمول”. وثمت عادات غريبة برزت في صنوف من المساوئ الاجتماعية التي لم يعتدها الناس بحضرموت كتسلط فسدة من الشمال في المناصب يدعون الوطنية والتدين، وهم لا هم لهم سوى التسابق على نهب المال العام وأراضي الدولة، وقد ضج مواطنو حضرموت غاضبين لذلك العبث من هؤلاء الغرباء الأدعياء بثروات أرضهم في الوقت الذي هم محرومون منها، فعبر عنه الشاعر عبد العزيز الصيغ حيث قال:

أرضي وأرضـــــــك تُشترى وتُباعُ لا الغرب ينهبها ولا الإقطاعُ

بل هذه الخلـــــق التي زعمت لنا بالأمس أن ستُغيَّر الأوضــــاعُ

الرافعـــــــــــون مبــــادئًا براقة وسلوكهم همجية وخــــــــــــداعُ

لا يحملــــــــــون لموطن حبًا ولا يســــــعون كي تتبدد الأطماعُ

وطنيـــــــة غنوا بها وترنمـــــوا ولهم من الوطنيةِ الإيقــــــــــاعُ

ويبدو الشاعر الصيغ أكثر وضوحًا في فضح هذا الداء الذي عم دولة ما بعد الوحدة، داء التسيب الإداري وفساد القائمين عليه، فقال:

لقد تُرِكَ الْأَمْـــرُ في زمرةٍ تبدِّدُ ماليَّــــــــــــــةَ الْمُسْلِمِينْ

فَأَثْرُوا ثراءً ســــــريعَ الْمَدى وكانوا من النفرِ الْمُعْدِمينْ

حظوظٌ تُقَسَّـــــــــــــمُ أم أنها سياسةُ جَورٍ من الجائرينْ

ومن المساوئ الاجتماعية التي برزت في دولة الوحدة ازدياد تدخل طائفة من رجال الدين من علماء ودعاة في السياسة والتفافهم حول الحكام، فضلا عن تعدد تياراتهم الدينية حتى هددت النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي، وفي ذلك يقول محمد باوزير:

فيا علماء الديــــــنِ والدينُ منكمُ براءٌ إذا فرَّقــــــــــــتم الناس أحـــــــــــزابا

وأنتم على علـــــــــــــــــــم بما قال ربكم فلا تجعلوا منكم لذي المال أحسابا

وكونوا دعاة الحق في كل حكمكم إذا ما حــكمتم لا تخــــــــــــــافون إرهابا

وبعد نحو عقدين انهار نظام ما بعد حرب 1994 تحت ضربات الحراك الشعبي الذي انطلق من حضرموت منذ وقت مبكر سنة 1996، ليتفاعل معه سائر اليمن من المحافظات الجنوبية سنة 2007، ثم انتقل للمحافظات الشمالية بتأثير ما سمي بثورات الربيع العربي التي انطلقت من تونس أواخر عام 2010، وبلغت ذروتها في العام التالي، لتبدأ معها حكاية أخرى.

قد يعجبك ايضا