عقبة نيوز
موقع إعلامي يمني جنوبي، يُعنى بمختلف شؤون الواقع المحلي الجنوبي بوجه خاص، والشأن العربي والدولي عامة.

القدس أعني، واسمعي يا مكة

كتب: د. أحمد با حارثة

الخيار الآخر الذي تخشاه السعودية وتراه الأكثر حظًا لتطور غضبة الفلسطينيين ومن ورائهم العرب والمسلمين على ضم القدس، ربما يكون إحياء مشروع تدويل تلك المدينة المقدسة، المُقَر سابقًا من الأمم المتحدة منذ (1947) والذي قد يقدم كحل…

 يبدو حكام السعودية حيارى، بل تستبد بهم الحيرة في الموقف من التطور غير المحسوب الذي اعترى مسيرهم نحو التقارب مع تل أبيب، واتخذوا منها خليلا وحبيب؛ إذ صاروا في مواجهة مباشرة مع حجر الزاوية في الأساس الذي قامت عليه الدويلة العبرية، أي القدس ومسجدها أو هيكلها، والتي لأجلها انتفض العالمان العربي والإسلامي؛ بل والدولي أيضًا برفضه لإعلان القدس عاصمة لإسرائيل.

ولعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (وهو الذي اعتاد على الصفقات والأرباح السريعة) قد استغل ذلك التقارب السهودي (يهودي/ سعودي)، وهو ما زال في بدايته أو ترتيباته الأولى، في توقيته لإعلان مدينة القدس جزءًا من إسرائيل، بل عاصمة لها، كأنه يذكر الحليف المقترب بأهم وجه للتشابه بينه وبين الدولة اليهودية التي قامت على أساس ديني كالدولة السعودية، وهو وجود القبلة، ففي كلا الدولتين قبلة لصلاة المؤمنين من ملتهم. وتشكل هذه القبلة، من حيث كونها رمزًا دينيًا مشتركًا، قنبلة موقوتة في أحشائها تخشى كلا الدولتين الاقتراب منها، فضلاً عن تفجيرها.

لكن الشهبندر ترامب تعمد في هذا التوقيت الحرج إحراج حليفه السعودي المتطاحن مع جيرانه من بني ملته ليعجل بتفجير قنبلة الدولة اليهودية كي يصل صداها إلى الدولة السعودية، فترتدع عقالاتها عن اتخاذ موقف يؤدي إلى تصعيد اشتعالها، بل تضطر لوضع جلابيبها عليها لتحجب عنها أكسجين الاشتعال وتسارع بتهدئتها أو تسعى لإطفائها خوفًا من انفجار قنبلتها التي في أراضيها وبين ديارها واستثماراتها.

إن الخيار الآخر الذي تخشاه السعودية وتراه الأكثر حظًا لتطور غضبة الفلسطينيين ومن ورائهم العرب والمسلمين على ضم القدس، ربما يكون اللجوء لإحياء مشروع تدويل تلك المدينة المقدسة، والمقر سابقًا من الأمم المتحدة منذ عام (1947)، والذي قد يقدم كحل وسط في حال استمرار وتصاعد ذلك الاشتعال وتلك الغضبة حول ضم الدولة اليهودية للقدس. وهنا نلاحظ أن المحور الإيراني هو المتصدر الأول لذلك التأجيج. فإيران الجارة الفارسية والتي غدت اللاعب الإقليمي الأقوى في المنطقة ربما أدركت اللعبة الأمريكية، أو بعبارة أخرى وصلتها رسالة ترامب المؤجج لحالة العداء بينها وبين جيرانها، فمن المحتمل أن تكون أمريكا التي سهلت لإيران حضورًا في العراق بصورة غير مباشرة في لحظة هياج عربي، ربما تؤدي سياساتها الترامبية اليوم إلى تسهيل السيطرة على مكة في لحظة هياج أخرى تحاول السعودية النأي بنفسها عنه؛ لأن قيادتها المراهقة أدركت بأن مستقبل مُلكها الذي تنتظر استلامه هو أحد أغراضه والمستهدفين منه، إذ إن القبلة تذكر بالقبلة، وداء التدويل واحد، فإذا أصاب إحداها انتقل عدواه للأخرى، وما ضاع تدويل وراءه مطالب، خاصة إذا تعدد المطالبون من جهات إقليمية عربية وإسلامية.

إذن فقد صارت مسألة القدس جزءاً من حلبة الصراع السعودي الإيراني، وسعودية ابن سلمان التي انتفضت على حصونها الداخلية إن ركبت موجة الهياج لضم إسرائيل للقدس كما هاجت سابقًا لضم صدام للكويت فكان النتيجة أن صارت العراق لعبة للأمم من حولها، فستكون النتيجة هنا أن تسلم مكة لتلك الأمم في حالة أدى هياج اليوم إلى العودة لمشروع تدويل القبلة الأولى، ومن ثم سيطفو بقوة على السطح الدعوة لتدويل ثاني القبلتين أو كلا الحرمين، وبذلك يتدخل في إدارتها بنو ملتها الذين تجاهر بخصومتهم أو عداوتهم من فرس وترك، وهم يصلون إليها ويطوف حجاجهم حول بيتها. ومن ثم أصبحت حالة التقارب بين الدولتين الدينيتين السعودية واليهودية اليوم متميزة، فالحبكة هنا دينية وليست أرضية، وستكون معادلة السلام التي ربما ستسوقها في مبادرتها الجديدة في القمة العربية الطارئة بمكة هي معادلة القبلة مقابل القبلة، دعوا لنا قبلتنا ندع لكم قبلتكم، ومن ثم فهذه أول البشائر الوخيمة لصفقة القرن، أي قرن الشيطان، انطلاقًا من التقارب السعودي مع الجار العبري المختلف دينيًا، في مقابل الخصومة مع الجار الفارسي أو الجار التركي المختلف مذهبيًا، وتلك إذن صفقة خاسرة.

قد يعجبك ايضا