عقبة نيوز
موقع إعلامي يمني جنوبي، يُعنى بمختلف شؤون الواقع المحلي الجنوبي بوجه خاص، والشأن العربي والدولي عامة.

دار الندوة من المؤامرة إلى الإمارة..!

بقلم/ د. أحمد باحارثة

الندوة من ندوت أي اجتمعت مع.. وهو الإجتماع في المجلس، وأطلق الإسم على دار بعينها في مكة لاجتماع قريش فيها.. وقيل إن الإسم مشتق من المناداة (أي المفاخرة) ومنه جاء إسم (دار الندوة)، أي للمفاخرة.

أنشأ دار الندوة قصي بن كلاب بن مرة بن كعب، في منتصف القرن الخامس الميلادي، أي قبل ما يقارب مائة وخمسين عاماً من الهجرة، فدار الندوة هي أول دار بنيت بمكة المكرمة، ولم يكن قبلها بناء سوى الكعبة المعظمة.. وكانت مساكن قريش على سفوح الجبال، فكانوا ينزلون نهاراً لزيارة الكعبة أو الطواف بها، أو للجلوس عند الكعبة لإدارة بعض شؤونهم، أي أن بناء قصي لدار الندوة وسكنى قومه معه يقصد به البناء في بطاح مكة حول الكعبة، ولذلك عرفوا بقريش البطاح.

اتخذ قصي بن كلاب دار الندوة مقراً لسكناه وإقامته، وفي الوقت نفسه رسخ فيها أساليب تدار من خلالها شؤون القبيلة ومكة المكرمة، فكانت معظم الشؤون العامة الداخلية والخارجية تناقش في هذه الدار، فكانت المكان الذي تعقد فيه ألوية الحروب التي خاضتها قريش، ومكاناً لعقد بعض أحلافهم، وفيها حضر الرسول صلى الله عليه وسلم عقد حلف الفضول.. ومن دار الندوة كانت تنطلق قوافل قريش التجارية وإليها تعود، وكان يتبعها ساحة تربض فيها دواب القوافل التجارية مما يرجح أنها كانت مكاناً لعقد الصفقات التجارية.

كان القرشيون يلتزمون بتلك الوظائف التي كانت تقوم بها دار الندوة، وقد حافظوا عليها تيمناً بأمر جدهم قصي، ويجتمع فيها الملأ من زعماء قريش وأشرافها، ثم أخذت تتطور بتغير الظروف والأحوال، وقد تعارفوا على أن لا يحضر اجتماعاتهم إلا من كان سنه فوق الأربعين، أو من عرف من غيرهم بحسن الرأي ورجاحة العقل، والإشراف على دار الندوة كان يتولاه قيم من بني عبد الدار بن قصي، واستمرت الدار في يد آل عبد الدار حتى جاء الإسلام.

ولكن لم تكن قرارات هذه الدار ملزمة، وباستطاعة من شاء من القرشيين التراجع عنها، كما أن نجاح تنفيذ قراراتها يعتمد على قدرات المجتمعين ومدى نفوذهم في المجتمع المكي، ومقدرتهم على الإقناع، أو إتخاذ إجراءات بحق المخالفين من مقاطعة أو مساومة وغير ذلك، وهو حال شبيه بحال دار جامعة الدول العربية، وإذا سميت جامعتهم القديمة بدار الندوة فيصح أن نسمي جامعتهم اليوم دار التنديد.

وعندما قرر صناديد قريش مواجهة دعوة الإسلام التي أخذت تنتشر في المجتمع المكي عقدوا اجتماعاتهم بها، ليحيكوا مؤامرتهم التي ذكرها الله تعالى في قوله: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)، تمامًا كما يتآمر العرب اليوم على بعضهم وعلى تمكين دينهم، لكن فشلت المؤامرة وانتصر حزب الله.

وبعد أن فتح الرسول صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة، أخذ الكثير من عادات ورسوم الجاهلية بالاختفاء أو التغيير، ومن ضمنها أعراف دار الندوة، فلم يعد لها دور في حياة المكيين، حتى كان عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقام فيها في إحدى زياراته لمكة يستقرب المسجد الحرام، وبذلك وضع أسسًا جديدة لوظائف دار الندوة، فأصبحت مقراً لإقامة الخلفاء إذا ما قدموا إلى مكة المكرمة منذ بداية العصر الأموي؛ إذ اتخذها معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه مقراً للحكم والإمارة لدى إقامته بمكة المكرمة.

ولإثبات هذه الصفة لدار الندوة اشتراها معاوية من آل عبد الدار، واستمرت بعد معاوية مقراً لخلفاء بني أمية، ينزلونها إذا ما قدموا مكة المكرمة، أما عبدالله بن الزبير فجعلها مسكنه الدائم خلال فترة خلافته التي اتخذ فيها مكة عاصمة لدولته، وعندما ولي العباسيون الخلافة، أبقوا على رسوم دار الندوة فكانوا ينزلون بها كلما قدموا إلى مكة المكرمة، واستمرت هذه الدار تستقبل الخلفاء حتى أيام هارون الرشيد، ويستقبلون فيها الفقهاء والأعيان من سكان مكة المكرمة، ومـن غيرها، ثم اشترى الرشيد داراً أخرى يقيم بها إذا قدم مكة المكرمة.

ولم يقتصر دور دار الندوة على أن تكون مقراً للخلفاء وأقربائهم وخاصتهم إذا قدموا مكة، وإنما كانت مقراً لأمراء مكة أيضاً، ينزلون فيها خلال ولايتهم، وشهدت خلال ذلك تعديلات وتحسينات في عمرانها بما يناسب وظيفتها الجديدة، وفي العصر العباسي بعد توسعة أبي جعفر المنصور التي ترتب عليها ضم معظم دار الندوة للمسجد الحرام، تم تعويض الأجزاء المفقودة بأجزاء أخرى، والتوسع في الساحة التي كانت مربض قوافل التجارة، وأضيف للمتبقي من المبنى القديم مرافق مختلفة جعلته يماثل القصور في عمارته، فأصبح له فناء واسع يتوسطه، وزود بحجرات للرجال وأخرى للنساء، مما يدل على تحوله إلى قصر منيف.

وانتهى المطاف بدار الندوة أن تتحول في زمن الخليفة المعتضد العباسي إلى مسجد أنشئ في موضعها، ثم دخلت كاملة على مراحل في توسعة المسجد الحرام، وأسدل الستار على دار الندوة، وربما يسدل قريبًا على دار التنديد بعد أن تفرق أمراء العرب بددا، ولم يغادر التآمر منهم أحداً.

 

قد يعجبك ايضا