عقبة نيوز
موقع إعلامي يمني جنوبي، يُعنى بمختلف شؤون الواقع المحلي الجنوبي بوجه خاص، والشأن العربي والدولي عامة.

حلم الصهيونية المؤجل.. هل تصل مياه النيل إلى إسرائيل..!

بقلم/ محمد سالم

رَسَخَتْ المياه كأساس لقيام الدول والحضارات، وظهرت كمطلب ضروري لإستقرار السكان، وهذا ما جعلها عنصرًا مهمًا في الفكر الإستراتيجي الصهيوني؛ فمنذ قيام الدولة العبرية وضع قادة الصهيونية معضلة المياه كأحد أولويات المرحلة الآنية والمستقبلية؛ بل إن عَلَمَ الدولة اليهودية قبل تسميتها بإسرائيل أتخذ من النيل والفرات رمزاً لحدود إسرائيل الكبرى، كما أن ثيودر هرتزل قدم عام 1903م مبادرة لإنشاء مستوطنات في سيناء ومن الطبيعي أن التجمعات السكنية بحاجة إلى مياه، إذًا فإن نظر هيرتزل كان موجهاً لتحويل مياه النيل إلى سيناء ومنها إلى أرض النقب، وقد جاءت مبادرة هيرتزل لاحقاً مقدمة رؤية لإمكانية جرّ مياه النيل عبر سيناء إلى المستوطنات، وفي هذا كله نصٌّ صريح على أهمية المياه ومركزيتها في العقيدة الصهيونية.

وفي بداية نشأتها واجهت إسرائيل عقبة المياه بالإضافة للخوف بشأن العمق الإستراتيجي الضامن لأمن الأراضي المحتلة، وفيما تُظهر خريطة سيطرة إسرائيل في البداية، فإنها راحت تحتل مدن الساحل الفلسطيني من أجل تأمين حاجاتها وإمداداتها على الصعيدين التجاري والعسكري، وما شكلته مدن الساحل من أهمية وجودية لإسرائيل لا تقبل التنازل ولا حتى التفاوض، شكلته المناطق الغنية بالمياه؛ فلو نظرنا إلى ما بعد إحتلال الجولان وسيناء والضفة الغربية عام 1967م؛ فإن ما احتلته إسرائيل من أراض مثَّل عمقاً مطمئناً لأمنها من خطر الجيوش العربية.

إلا أن هذه المساحة الشاسعة جغرافيا بدت أهميتها متفاوتة في العقل الصهيوني؛ فالسيطرة على الضفة أخلَّت في الميزان الديموغرافي لصالح العرب، كما أنها أحد أسباب القلق والاضطراب الأمني للجنود والمستوطنين، فقبلت بالتنازل عنها إلى حين توازن كفتي الميزان الديموغرافي، أما سيناء والتي ظهرت كأحد أسباب الترقب والحيطة خاصة أنها تتبع لأكبر وأقوى الدول العربية مصر، فإن إسرائيل وجدت في تركها ضرورة لفصل الجزء العربي الأفريقي عن الآسيوي، وعزل مصر عن الشرق.

ولكن لو نظرنا إلى الجولان فإن إسرائيل رفضت أي محادثات بشأنها وهذا راجع لطبيعتها الخصبة وثرائها بالماء إضافة لموقعها الجيوسياسي والعسكري المهم، أي أن النظرة الأمنية والتخوف من الجار يسقط في طيات الفكر الصهيوني إذا ما تعلق الأمر بمناطق غنية بالمياه مثل الجولان على خلاف الضفة وسيناء التي تمثل بعدًا أمنياً بحتاً يمكن إرجاء التعامل معه إلى وقت آخر.

أما حاجة إسرائيل المتزايدة للمياه، فقد خلقت حالة جاءت على نحو غريب ضمن مبادرة أنور السادات، وفيها أن السادات كما يروي محمد حسنين هيكل في زيارته الشهيرة إلى القدس حيث إلتقى بعدد من الصحفيين، وكان السادات قد واجه صعوبة في التفاوض مع بيجين الذي أصر بشكل واضح على عدم التنازل عن أي شبر من الأراضي العربية التي سيطرت عليها إسرائيل، من هنا جاءت محاولة السادات تأجيج الرأي العام على بيجين ووضعه أمام الجمهور الإسرائيلي كمعطل للسلام ورافض للاستقرار، فخرج السادات ليخبر الصحفيين أنه مستعد لتوصيل مياه النيل إلى المدينة المقدسة، مضيفاً أن حجاج الأماكن المقدسة من مسلمين ومسيحيين ويهود سوف يشربون من زمزم النيل..!

وقد يظهر مدى رغبة السادات في تقديم أي شيء نحو الحصول على إتفاق سلام أراد به أن يحصل لنفسه على صفة رجل الحرب والسلام، ويسجل في إطار التاريخ كصانع ما عجز عنه قادة العالم أجمع وتحديداً سلفه جمال عبدالناصر، وقد يندرج هذا التجاوز الصارخ لمبادئ الشعب المصري وممثليه من مجلس الشعب ومؤسسات الدولة ومن يديرها حتى الذين عينهم السادات بنفسه على طباعه الحادة ورغبته في السيطرة على القرار بمفرده.. والغريب أن السادات الذي كان حقاً يريد جر مياه النيل إلى القدس، خسر الرهان أمام بيجين الذي رفض هذه المبادرة قائلاً أنها تأتي لابتزاز إسرائيل من أجل الموافقة على التنازل عن جزء من أراضيها..!

سنجد أن عيون الساسة الإسرائيليين قد تتجه مع تزايد مستمر في الحاجة للمياه والتي ترافق نمو سكاني إضافة إلى قطاعات صناعية وزراعية وحتى نووية فيما يتعلق بمفاعل ديمونا تتجه إلى نهر النيل العظيم؛ خاصة في ظل تقارير صحفية تتحدث عن دور لتل أبيب في تمويل سد النهضة الأثيوبي الذي سيحرم مصر من 40% من حصتها، وفي هذا فإن إسرائيل تحاول ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد..

فمن ناحية تحاول كسب موطئ قدم لدى أثيوبيا والإستفادة على ما يبدو من جزء من الطاقة الكهربائية التي يولدها السد.. أيضاً فإنها ستعزز دخولها إلى منطقة القرن الأفريقي والقارة السمراء بشكل عام، ناهيك على أنها ستعزز صورتها التي تحاول بعثها للعالم على أنها صانعة سلام ودولة رائدة في التكنولوجيا الحديثة من خلال وضع إسمها كشريك في أحد أكبر السدود في العالم.

أما من جانب.. مصر فهي مستعدة أكثر من أي وقت مضى لهذه الخطوة، خاصة في ظل الحديث عن مرحلة فقر مائي قد يواجه مصر، وبالتالي فإن إسرائيل ستقدم نفسها وسيطاً لحصول القاهرة على جزء من حصتها المنهوبة، وبالتالي فهي تفاوض وتترقب من موضع قوة، وما رفضه بيجين البارحة هو مكسب حقيقي لنتنياهو واليمين الإسرائيلي، وما قدمه السادات كمبادرة سلام يبدو أن السيسي سيوافق عليه كخطوة من الخطوات الكثيرة نحو تمليك إسرائيل من رقبة أكبر الدول العربي.

الظاهر أن السيسي ليس أفضل حالاً من السادات بل هو أسوء في واقع الحال.. فالسادات كان يفاوض بشرعية أكتوبر وغيرها من عوامل القوة، أما السيسي فهو فاقد شرعيته في نظر السواد الأعظم من المصريين، بل لدى المجتمع الدولي نفسه، وبالتالي فإن مصر فقدت ريادتها التي حظيت بها في العهود السابقة للعالم العربي لصالح ممالك وإمارات الخليج الصغيرة التي تحتضن تيار التطبيع مع إسرائيل وهو عامل آخر قد يجعل جرّ مياه النيل إلى القدس واقعًا بعد أن كان سراباً.

قد يعجبك ايضا